جامع منجك اليوسفي

نظرة عامة: جولة داخل جامع الأمير منجك اليوسفي في منطقة الحطابة أسفل القلعة، مع سيرة صاحبه منذ بدأ سلاح دار حتى مات نائبًا للسلطنة بمصر، وحديث عن صهريج الجامع الكبير ومئذنته المنفصلة.
المكان والمنطقة
- الجامع هو الوحيد المفتوح في منطقة الحطابة حتى يوم التصوير (17 يوليو 2026م). أما جامع قانباي الرماح وجامع المحمودية وغيرهما فقد رُمّمت ولم تُفتح بعد، ويُتوقع فتحها في الشتاء التالي.
- تاريخ البناء: بُني الجامع في عصر دولة المماليك البحرية سنة 750هـ / 1349م، أي قبل مدرسة السلطان حسن (757هـ / 1356م) بسبع سنين بالضبط.
- يسمي الناس المنطقة المحيطة "المنجكية" نسبةً إلى منجك.
الاسم والنسب
- "اليوسفي": ياء النسب عند المماليك تنسب المملوك إلى شخص، قد يكون تاجر الرقيق الذي جلبه أو أستاذه، وليست اسم أبيه. ومن أمثلتها بيبرس البندقداري وبيبرس الصالحي وقلاوون الصالحي. ولا يُعرف من هو "يوسف" هذا.
- منجك السلحدار ومنجك اليوسفي: بنى منجك قصرًا في منتصف شارع سوق السلاح، سمّته لجنة حفظ الآثار العربية "قصر منجك السلحدار"، وسمّت الجامع "جامع منجك اليوسفي"، فظن المتحدث وهو طالب أنهما شخصان مختلفان، والصحيح أنه رجل واحد: منجك اليوسفي السلحدار.
- ابن تغري بردي: في قصر منجك بسوق السلاح وُلد المؤرخ جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي، صاحب كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، ويعدّه المتحدث ثاني أهم مؤرخ لمصر الإسلامية بعد المقريزي. ويشبّه المتحدث ذلك بصورة ميسي وهو يحمّم لامين يامال رضيعًا ثم يلتقيان في نهائي كأس العالم.
منجك والأمراء الناصرية
- كان منجك معاصرًا للسلطان حسن، الذي تولى الحكم وعمره 13 سنة، وكان عمره 14 سنة حين بُني الجامع. فمنجك من جيل أبيه، أي من "الأمراء الناصرية" المنسوبين إلى الناصر محمد بن قلاوون.
- أبناء الناصر محمد: حكم الناصر محمد 48 سنة على ثلاث فترات، وتزوج أربعًا وكان عنده عدد كبير من الجواري، وترك عند موته 24 ولدًا: 16 ذكرًا و8 إناث، وهو عدد يراه المتحدث قليلًا. حكم ثمانية من الذكور، وكان السلطان حسن سابعهم.
- موقع مدرسة السلطان حسن: كان مكانها قصرا الأميرين ألطنبغا المارداني ويلبغا اليحياوي، وبعدهما قصر الأمير قوصون ثم قصر الأمير طاز. وقد أوصى الناصر محمد وهو على فراش الموت الأمير قوصون بأحد أبنائه.
- فجوة الأجيال: كان أبناء الناصر محمد الحاكمون صورة تحمل الشرعية، أما الدولة فكان يمسكها الأمراء الناصرية الكبار (في الأربعين أو الخمسين) أمام سلاطين صغار في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة. وسُمّي هؤلاء "أرباب الحل والعقد"، وكانوا ستة أمراء يديرون كل شيء.
- أهمية بناء جامع: لا يكفي المال لبناء جامع، بل لا بد من قوة سياسية: فالأرض تؤخذ بمرسوم سلطاني، ولا بد من أوقاف (مئات أو آلاف الأفدنة) ليقوم الجامع، كما كانت للسلطان حسن قرية كاملة موقوفة على مدرسته.
مسيرته في الدولة
- بدأ منجك أميرًا صغيرًا ثم ترقّى حتى صار "سلاح دار"، أي المسؤول عن السلاح. وفي أيام السلطان حسن صار وزيرًا وأستادارًا (المسؤول عن قصر السلطان).
- تشدده مع النساء: يصفه المتحدث بأنه كان ذا نزعة سلفية واضحة، فمنع النساء من الخروج إلى الشارع بثياب ضيقة أو مكشوفة، وفرض على المخالِفات التعزير بالضرب والتشهير، ورسم على أسوار القاهرة صورًا لنساء يُعذَّبن تحذيرًا، وبدأ فعلًا يشهّر بالنساء. ويرى المتحدث أن هذا لم يسبقه إليه أحد بهذا الشكل؛ فالحاكم بأمر الله منع النساء من الخروج أصلًا، ومنع صانعي الأحذية من صنع أخفاف النساء.
- تخفيض الضرائب: خفّض الضرائب على المصريين رغم نظرته المتعالية إلى الشعب، وبدأ بالسلطان نفسه فخفّض الإقطاعات والمخصصات السلطانية، وخفّض الجوامك (مرتبات المماليك)، وألغى وظائف كثيرة بلا عمل. ويرى المتحدث أن فساد المماليك كان "متقنًا" بالأوراق والدفاتر وموافقة الشيوخ والقضاة وختم الخليفة العباسي.
- العزل والعودة: لما عجز عن تطبيق إصلاحاته عُزل أو استقال، وبقي بعيدًا أربعين يومًا ثم استُدعي لأن الدولة احتاجته. ثم تكتّل ضده أصحاب المصالح فسُجن في الإسكندرية في أواخر عهد السلطان حسن.
- بعد السجن: تولى الصالح صالح بعد السلطان حسن، ولما عاد السلطان حسن إلى الحكم أخرجه من السجن، وولّاه نيابة طرابلس ثم نيابة حلب. وظل يعمل حتى أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، فتولى نيابة السلطنة في دمشق، ثم آخر منصب قبل موته: نائب السلطنة بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، وهو أكبر منصب وصله.
- وصفه المقريزي بأنه كان "مرهوب الجانب" يهابه الأمراء والشعب. وقد سُجن مرتين، لكنه مات سنة 1375م "واقفًا على حيله" رافع الرأس وهو في أعلى مناصبه.
الأثر والأوقاف
- ترك الأثر: يرى المتحدث أن رجل السياسة لا يدخل التاريخ إلا بأثر يبنيه، كما دخل المقريزي وابن تغري بردي التاريخ بكتبهما.
- كتاب "المرجع": يحكي المتحدث أنه بكى وهو يقرأ كتاب "المرجع في تاريخ مصر في العصور الوسطى والعصر الحديث" (نحو 700 صفحة لكل جزء، وقرابة 1500 صفحة في جزأين، صدر عن وزارة الثقافة ولم يعد يُطبع)، حين وجد في خاتمته أن كاتب المقدمة، الراحل يونان لبيب رزق، توفي قبل أن يرى الكتاب مطبوعًا، وكان قد كتب فيه أيضًا بحثًا عن فترة الهيمنة البريطانية والاستعمار.
- بُعد الزمن: بين منجك (750هـ) وأحمد بن طولون (254هـ) نحو 500 سنة، وهي المسافة نفسها التي تفصلنا اليوم عن سليمان القانوني؛ فكان ابن طولون في نظر منجك "قديمًا" كما نرى نحن القانوني.
- الأوقاف تأمين اجتماعي: أوقف منجك على الجامع عشرة آلاف فدان، يُصرف منها على الجامع مئتا فدان في السنة، والباقي (9800 فدان) له ولمن يعملون معه. فالوقف يحفظ المال ويخلّد الذكر ويترك مكانًا للدفن.
- المدفن: لا بد للأمير من مدفن، ومدفن منجك تحت الجامع، يُنزل إليه بإحدى عشرة درجة.
الصهريج والعمارة
- قبة صندل المنجكي: تظهر خارج الجامع قبة الأمير صندل المنجكي، أحد أمراء منجك، وهو الذي نقر له الصهريج الكبير تحت الجامع. ويشير المتحدث أيضًا إلى جامع أيتمش البجاسي القريب.
- حفر أم نقر: صحّح أحدهم للمتحدث أن الحفر يكون في الطين، أما في الحجر فيقال "نقر".
- أساطير الصهريج: يتناقل أهل المنطقة قصصًا عنه: أنه منقور في الصخر، وأنه كان موصّلًا بالقلعة وممرًا للهرب منها، ويراها المتحدث أساطير. لكنه من أكبر الصهاريج وأهمها؛ وأكبر صهريج من العصر العثماني هو صهريج سبيل سليمان أغا السلحدار بشارع المعز أيام محمد علي، لكن هذا أكبر منه. ولشهرته سمّى الناس الجامع "جامع الصهريج". وهو مغلق اليوم لخطورة النزول إليه وظلمته واحتمال وجود مياه.
- فقر الجامع: السقف بسيط، والمنبر خُلعت حشواته كلها وسُرقت. وفيه دكة مبلّغ (لترديد الصوت خلف الإمام) محمولة على أربعة أعمدة لا ثمانية كما يقال، والأعمدة منقولة من عمائر قديمة.
- المئذنة المنفصلة: أجمل ما في الجامع عند المتحدث مئذنته القائمة وحدها على بعد نحو خمسة أمتار من الجامع، غير مبنية على سطحه ولا متصلة بواجهته. ويرى في تحليله الشخصي أنها ربما كانت لأمير سابق بنى هنا قبل منجك.
- الخلاصة: الجامع فقير أثريًا وفنيًا، وأهميته في قصة الأمير منجك وصعوده، وقد مات وهو نائب السلطنة بالديار المصرية.
دول وجماعات: دولة المماليك البحرية، الأمراء الناصرية، لجنة حفظ الآثار العربية، النجوم الزاهرة، المرجع في تاريخ مصر في العصور الوسطى والعصر الحديث، وزارة الثقافة
فهرس الحلقة
اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.