خانقاة بيبرس الچاشنكير

نظرة عامة: جولة داخل خانقاه الأمير بيبرس الجاشنكير بشارع الجمالية، يروي فيها المتحدث سيرة بيبرس من متذوق للطعام إلى سلطان، وصراعه مع الناصر محمد بن قلاوون ومحاكمته وقتله، ثم يشرح وظيفة الخانقاه وحياة الصوفية فيها وقصة السيوطي معها وعناصرها المعمارية.
معنى الخانقاه وأصلها
- الخانقاه: مكان للصوفية المنقطعين للعبادة. الكلمة فارسية معرّبة عن "خانكاه" (بالكاف).
- الأصل: نشأت هذه المنشآت في دولة السلاجقة العظام التي امتدت في أجزاء من إيران وآسيا والأناضول وأفغانستان، وكانت سنية، وكان صوفيتها يحاربون المذهب الشيعي من خلالها.
- التأسيس: جاء بيبرس الجاشنكير إلى هذا المكان وبدأ بناء الخانقاه سنة 706هـ / 1306م في أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون، في عصر دولة المماليك البحرية.
- صلة بما سبق في الجولة: ذكّر المتحدث بأحمد القاصد، وكان قاصدًا (سفيرًا) في عهد الناصر محمد وتوفي بعد سنة 730هـ / 1330م، وبقوصون الساقي، وكان ساقيًا عند الناصر محمد.
بيبرس الجاشنكير: من متذوق للطعام إلى أستادار
- معنى "الجاشنكير": متذوق الطعام، يتذوقه قبل السلطان ليتأكد من خلوّه من السم. وكان يعمل بهذه الوظيفة عند السلطان المنصور قلاوون، والد الناصر محمد الذي بُنيت الخانقاه في عصره.
- ترقّى حتى صار أستادارًا، أي المسؤول عن القصر السلطاني، وهي وظيفة أكبر، لكنه بقي مشهورًا بلقب الجاشنكير.
- مقارنة بقوصون: تولى قوصون نيابة السلطنة ووظائف كثيرة وتزوج بنت السلطان، لكنه اشتهر بلقب "الساقي" الذي كان يحمله وقت بناء وكالته. الساقي مسؤول عن "الشراب خاناه" ومشروبات السلطان ويتذوقها. ومن المصادفة أن الاثنين عملا عند السلطان نفسه، وفي الشارع نفسه: أحدهما للشراب والآخر للطعام.
الناصر محمد والأمراء المنصورية
- تولى الناصر محمد بن قلاوون السلطنة أول مرة وعمره تسع سنين؛ فكان سلطانًا على الورق، يُدعى له على المنابر وتُسك العملة باسمه، أما من يدير الدولة فهم أمراء أبيه المعروفون بـ"الأمراء المنصورية"، وكان بيبرس واحدًا منهم وأكبر من السلطان سنًّا بكثير.
- فترات حكمه: حكم في المرة الأولى سنة واحدة (من 9 إلى 10 سنين)، ثم عُزل أربع سنين قضاها في بيته، ثم عاد وعمره 14 سنة فحكم عشر سنين حتى بلغ 24 سنة.
- كان سن البلوغ في العصر المملوكي 16 سنة هلالية (واليوم نحو 18)، فكان الناصر في الرابعة عشرة يُعدّ طفلًا، والذي يحكم فعليًا هم الأمراء الأقوياء، ومنهم سلار نائب السلطنة، وبيبرس الجاشنكير الأستادار.
خروج الناصر محمد إلى الكرك وسلطنة بيبرس
- في الرابعة والعشرين ضاق الناصر محمد بأنه لا يتحكم في شيء، فأعلن أنه ذاهب إلى الحج، ثم أقام في الكرك بالأردن ولم يعد إلى مصر.
- تحليل المتحدث: الأمراء كانوا يريدونه باقيًا لأنه يمنحهم الشرعية، فهو "ديكور" لدولة السلطنة المملوكية بينما هم يحكمون. واختار الناصر حجة الحج ليخرج برجاله ولا يمنعوه. ويصف المتحدث ما حدث بأنه ما يُسمى اليوم "فراغًا دستوريًا".
- عُرضت السلطنة على سلار نائب السلطنة فرفض خوفًا من عودة الناصر، مفضّلًا أن يبقى مستترًا يحكم من موقع النائب، فعُرضت على بيبرس الجاشنكير فقبل.
- تاريخان مهمان: بدأ بيبرس بناء الخانقاه وهو أمير سنة 706هـ / 1306م، وتسلطن بعد ذلك بسنتين سنة 708هـ / 1308م والبناء لم يكتمل بعد، فكُتب عليها من الخارج لقبه سلطانًا. ولما عاد الناصر محمد إلى السلطنة أزال ألقابه.
- سلطانان في دولة واحدة: يرى بعضهم أنه صار للدولة سلطانان، لأن الناصر محمد لم يعزل نفسه وبقي سلطانًا في الكرك، وبيبرس سلطانًا في مصر.
- طالب بيبرس الناصرَ بأن يرسل إليه مماليكه وخيوله ما دام لن يعود، فكاتب الناصر أمراء الشام في حلب وطرابلس ودمشق قائلًا إن هذا الرجل كان يتذوق طعام أبيه المنصور قلاوون الذي ربّاهم وأعطاهم، وإنه دخيل على الأسرة أخذ السلطنة ويطلب خيوله ومماليكه. فأجابوه بأنهم يكرهونه ودعوه إلى العودة، لكنه تريّث وانتظر.
سخط الناس على بيبرس
- بحسب المقريزي تشاءم الناس من بيبرس، مع أنه منع الفسوق والخمر وأغلق بيوت الدعارة، وعرض على العاملات فيها معاشًا وتعويضًا ليتركن هذا العمل، وكانت الدولة في العصر المملوكي تأخذ ضرائب على الخمر وبيوت الدعارة.
- سبب الكراهية: حدث قصور في ماء النيل أول ما تولى، بعد أن كان النيل يفيض في أيام الناصر محمد وأبيه، فعدّه الناس شؤمًا وطالبوا بعودة الناصر.
- هتاف العامة سنة 1308م: خرجوا يهتفون: "سلطاننا رُكَين، ونائبه دُقَين، يجينا الماء منين؟ رجّعوا لنا الأعرج يجي الماء ويتدحرج". و"ركين" تصغير "ركن" نسبةً إلى ركن الدين بيبرس، و"دقين" هو سلار لأنه لم يكن في ذقنه شعر، و"الأعرج" هو الناصر محمد لعرج خفيف كان به.
سقوط بيبرس ومحاكمته وقتله
- جاء أمراء الشام ونائب دمشق بجيش إلى القاهرة، فهرب بيبرس إلى الصعيد حتى بلغ أخميم في سوهاج. ثم عُرضت عليه نيابة صهيون، فأقبل حتى بلغ حدود غزة في مكان يُسمى "الدرب الشامي" يريد الذهاب إلى فلسطين، فقُبض عليه وأُعيد. وقد كتب ذلك المقريزي، الذي يصفه المتحدث بعميد مؤرخي مصر الإسلامية.
- المحاكمة: عقدها الناصر محمد بحضور رجال الدولة، ونقل المقريزي قوله لبيبرس: "أتذكر وقد صِحتَ عليّ وقت كذا بسبب فلان، ورددتَ شفاعتي في حق فلان، واستدعيتُ نفقة في وقت كذا من الخزانة فمنعتها، وطلبتُ في وقت حلوى بلوز وسكر فمنعتني... يا ركن الدين، أنا اليوم أستاذك"، وذكّره بأنه حين طلب إوزًا مشويًا قال: ما يعمل به؟ وهو يأكل سبع مرات في اليوم.
- يشبّه المتحدث رد الشفاعة بأن يُصدر الرئيس عفوًا فيلغيه أحد وزرائه، ويرى أن الناصر كان يتعامل مع خير البلد كأنه ملك أبيه.
- كلمة "الأستاذ": في العصر المملوكي هي سيد المملوك؛ وكان أستاذ بيبرس الأول المنصور قلاوون، ولو فعل بيبرس ذلك معه لقتله فورًا.
- حُكم على بيبرس بالإعدام، وكان الناصر قد نذر إن عاد إلى السلطنة أن يخنقه بيده، فخنقه بيده. وكانت مدة سلطنة بيبرس على مصر 10 أشهر و24 يومًا بالضبط.
دفن بيبرس في ثلاثة أماكن ومحو ألقابه
- كان بيبرس قد بنى الخانقاه وفيها قبة ليُدفن بها، فأقسم الناصر ألا يُدفن فيها، ودفنه أولًا خارج القلعة بالقرب منها (في موضع سمّاه المتحدث إيوان الفارس أقطاي) ليراه وهو داخل وخارج.
- ثم ضاق برؤيته فنقله إلى قبة أبو السعود (أبو العشائر) في القرافة بعيدًا عن القلعة.
- ثم رأى الناصر رؤيا سيئة بأنه يعذّب الرجل وهو ميت، فأمر بنقله من القرافة إلى قبته في خانقاهه، فدُفن في ثلاثة أماكن.
- محو الألقاب: أبقى الناصر اسم بيبرس على الخانقاه، فقد كان مكتوبًا "السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس"، فترك "ركن الدين بيبرس" وأزال الكلمات الثلاث "السلطان الملك المظفر".
المئذنة
- استمر البناء من 706 إلى 709هـ، وبدأه وهو أمير وأتمه وهو سلطان.
- بُنيت المئذنة على طراز "المبخرة" لأن شكلها يشبه المبخرة، وفيها بقايا قطع صغيرة من بلاطات الخزف الأزرق تُرى من شارع الجمالية، وهي أقدم بلاطات خزف باقية على مئذنة في مصر.
- بيبرس الجاشنكير هو من رمّم مئذنتي جامع الحاكم بأمر الله بعد سقوطهما في الزلزال، وهما مبنيتان على الشكل نفسه.
الحياة في الخانقاه وأوقافها
- الأحزاب: يجلس شيخ الخانقاه مع المريدين ويقرؤون "الأحزاب"، وهي أذكار وأدعية تُقال جماعةً، وليس لها وقت محدد في اليوم بل يحدده الشيخ (بعد العصر أو بعد المغرب أو بعد نصف الليل). والعلاقة بين الشيخ والمريد كالميت بين يدي مغسّله؛ يقول الشيخ أي شيء فيقول المريد "آمين".
- السعة: بنى بيبرس الخانقاه لتسع 400 صوفي، يبيتون في الخلاوي الصغيرة والشبابيك العلوية. وألحق بها رباطًا يسع 100 من الجنود ليُثقّفهم، فيكون الجندي متعلمًا لا عسكريًا فقط.
- الأوقاف: حدّدت الوقفية للمقيمين الخبز والأرغفة اليومية واللحم والحلوى والكسوة، فكان نحو 500 شخص يأكلون ثلاث وجبات ويُكسون على حساب الواقف. ولذلك كانت للخانقاه أوقاف بمئات الأفدنة إن لم تكن بآلافها.
إغلاق الخانقاه وإعادة فتحها
- أول ما عاد الناصر محمد إلى السلطنة أمر بإغلاق الخانقاه واستولى على أوقافها؛ ويرى المتحدث أن الأوقاف هي كلمة السر، فقطعها يعني توقف المؤسسة عن دورها.
- بقيت مغلقة نحو 20 سنة، حتى ذهبت بنت بيبرس الجاشنكير إلى الناصر محمد في القلعة، بعد أن دفعت مالًا لأمراء مقربين منه مثل قوصون ليحددوا لها موعدًا، وقالت له إنه قتل أباها وأغلق الخانقاه وإنهم لا يجدون ما يأكلون؛ لأن فائض الأوقاف كان يذهب إلى ذرية الواقف. فرقّ لها الناصر وأصدر قرارًا بإعادة فتح الخانقاه.
السيوطي والخانقاه
- تولى نظر وقف الخانقاه يومًا الإمام جلال الدين السيوطي، مفسّر القرآن الكريم.
- كان المفترض أن يقيم في الخانقاه الزهاد المنقطعون للعبادة، كالرهبان في الأديرة يتركون الدنيا ويرضون بالقليل. فقال لهم السيوطي إن الواقف جعل اللحم والكسوة والخبز للمحتاجين، وإنهم معروفون بأن أحدهم يملك مئة فدان وآخر خمسمئة، ولا يوحي مظهرهم بالحاجة. ويشبّه المتحدث ذلك بحذف من يشتري سيارة من بطاقات التموين اليوم.
- يرى المتحدث في ذلك دليلًا على الفساد في أواخر العصر المملوكي: فقد حمل الصوفية السيوطي وألقوه في الفوّارة (نافورة المياه) التي كانت في وسط الخانقاه، رافضين تغيير نظامهم.
- اعتزال السيوطي: اعتزل بعدها العمل العام والناس 12 سنة، فلم يقابل أحدًا ولم يتولَّ وظيفة، وأقام في بيته بمنيل الروضة على النيل نحو سنة 1500م، وكان غنيًا لا يحتاج إلى العمل، فكثرت مؤلفاته. ويشبّهه المتحدث بالدكتور الششتاوي الذي يكتب منذ 40 سنة.
عمارة الخانقاه
- القبة الضريحية: تقع مباشرة على الشارع بجوار المئذنة، وكان عليها هلال سقط.
- تتميز الخانقاه بالإيوانات التي يجلس فيها الصوفية، والخلاوي الصغيرة والشبابيك العلوية للمبيت. وكانت لها ملحقات اندثرت: الرباط، والمطبخ، والحمام، والمكتبة، ومخبز خاص للعيش.
- المزولة: ساعة شمسية فيها مؤشرات، وكان يُثبت عليها سيخ حديد عمودي يلقي ظله على المؤشرات فيُعرف منه الوقت ومواقيت الصلاة، ويسمى من يقوم بهذا العمل "الميقاتي".
- المحراب: محراب الخانقاه بسيط جدًا لأن من يجلس فيها الصوفية، أما محراب القبة فمزخرف لأنها موضع دفن صاحبها.
- المنبر: ليس أصليًا، بل مؤرخ بسنة 1344هـ / 1926م، أي عُمل في أيام الملك فؤاد، وهو بسيط جدًا.
- الملقف: من أجمل الملاقف في العمارة الإسلامية في مصر، يصنع دورة هواء كاملة تجدد هواء الخانقاه وفق تخطيط مدروس.
- انتهت جولة الخانقاه، وتبقى القبة الضريحية، ثم تستكمل الجولة إلى بيت السحيمي.
دول وجماعات: الأمراء المنصورية، دولة السلاجقة العظام، دولة المماليك البحرية، الصوفية، الشيعة
فهرس الحلقة
اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.
الأعلام
الآثار والأماكن
دول وجماعات وأحداث وكتب
أحداث مؤرَّخة في الحلقة
- 706هـ / 1306مبدء بيبرس الجاشنكير بناء الخانقاه وهو أمير في عهد الناصر محمد0:46
- نحو 730هـ / 1330موفاة أحمد القاصد1:13
- 708هـ / 1308متولي بيبرس الجاشنكير السلطنة بعد بقاء الناصر محمد في الكرك7:24
- 707هـ / 1308مهتاف العامة ضد بيبرس الجاشنكير وسلار بسبب قصور ماء النيل11:31
- 706–709هـ / 1307–1309مبناء خانقاه بيبرس الجاشنكير18:00
- نحو 905هـ / 1500ماعتزال جلال الدين السيوطي في بيته بمنيل الروضة26:19
- 1344هـ / 1926معمل منبر الخانقاه الحالي في عهد الملك فؤاد28:39