بدر الجمالي والشدة المستنصرية

نظرة عامة: حديث في مقابر باب النصر خارج سور القاهرة الشمالي عن الوزير بدر الجمالي: اسمه وألقابه، ومجيئه لمواجهة الشدة المستنصرية وبدء عصر الوزراء العظام، ثم نشأة المقابر خارج باب النصر وقبة الشيخ يونس التي يُنسب إليها أنها قبة بدر الجمالي، والخلاف حولها.
اسم بدر الجمالي وألقابه
- الاسم والكنية: كنيته أبو النجم، واسمه بدر، وهو اسم ميلاده. ويُنسب إلى الخليفة المستنصر فيُقال "بدر المستنصري"، وهو الاسم المقروء على السور الشمالي: "أبو النجم بدر المستنصري".
- ليس "بدر الدين": يخطئ الناس فيسمونه "بدر الدين" قياسًا على أسماء ذلك العصر المضافة إلى "الدين" (نجم الدين، سيف الدين، عز الدين، ركن الدين)، ومنها شارع نجم الدين خارج المقابر المسمى باسم نجم الدين أيوب الكردي.
- ألقاب "الدين" مكتسبة: الاسم المضاف إلى "الدين" يُكتسب بعد أن يصير الشخص مهمًا في الدولة، ثم يُضاف لقب السلطنة: بيبرس صار ركن الدين ثم "الظاهر"، وأيبك عز الدين ثم "المعز"، وقطز سيف الدين ثم "المظفر"، وقلاوون سيف الدين ثم "المنصور".
- لقب "الجمالي": عُرف به لأن الذي اشتراه هو جمال الدولة بن عمار، فنُسب إليه. ولما جاء إلى مصر نسب نفسه إلى الخليفة المستنصر فسمّى نفسه "المستنصري".
الشدة المستنصرية وعصر الوزراء العظام
- الشدة المستنصرية: مجاعة ضربت مصر سنة 457هـ / 1065م، في منتصف عهد الخليفة المستنصر بالضبط. وتذكر بعض المصادر أن المصريين اضطروا إلى أكل لحم القطط والكلاب، وتذكر مصادر أخرى أنهم أكلوا لحوم بعضهم. وتُسمّى أيضًا "الشدة العظمى".
- تقسيم العصر الفاطمي: حكمت الدولة الفاطمية مصر 200 سنة، اصطلح المؤرخون على تقسيمها إلى مئة سنة أولى هي "عصر الخلفاء العظام" ومئة ثانية هي "عصر الوزراء العظام". وحكم المستنصر وحده 60 سنة، ثلاثون منها محسوبة على عصر الخلفاء العظام وثلاثون على عصر الوزراء العظام، والحدث الفاصل هو الشدة المستنصرية.
- استدعاء بدر: غيّر المستنصر الوزارة 42 مرة وفشل الجميع، فأرسل إلى واليه على عكا، بدر الجمالي، وهو في الأصل مملوك أرمني، يعرض عليه الوزارة في مصر.
- شروط بدر: اشترط بدر أن يأتي بكامل الصلاحيات ومعه رجاله من الأرمن، فجاء بنحو 50 ألف جندي أرمني، وتولى مواجهة الأزمة بما يراه.
- أول الوزراء العظام: لذلك يُعدّ بدر أول الوزراء العظام، وأول وزراء السيوف (أرباب السيوف)، وأول وزراء التفويض. أما وزراء العصر الأول فكانوا "وزراء التنفيذ" ينفذون ما يقوله الخليفة، ويُسمَّون "أرباب الأقلام" لأنهم كانوا من الكتبة والأدباء والشعراء.
- آخر الوزراء العظام: هو صلاح الدين الأيوبي، الذي أسقط الدولة الفاطمية سنة 567هـ. فعصر الوزراء العظام بدأ ببدر وانتهى بصلاح الدين.
القضاء على الشدة وألقاب بدر
- سبب الشدة عند المقريزي: الشائع أن المجاعة جاءت نتيجة نقص ماء النيل، فالجفاف، فالوباء والطاعون. لكن المقريزي يرى، صراحةً، أن السبب هو فساد العسكر وقيادات الجيش.
- مذبحة القادة: فعل بدر بقيادات الجيش القادمين من الأطراف ما فعله محمد علي بالمماليك في مذبحة القلعة: أقام لهم حفلًا ودعاهم إليه ثم ذبحهم جميعًا، ووحّد الجيش تحت لوائه وحده، فقضى على الشدة المستنصرية.
- ألقابه: من ذلك الوقت لُقّب بـ"أمير الجيوش". ومن ألقابه المكتوبة على السور من الخارج: "أبو النجم بدر المستنصري، أمير الجيوش، سيف الإسلام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين".
وفاة بدر وحكم ابنه الأفضل
- مات بدر بعد سنتين من انتهائه من بناء الأسوار سنة 485هـ، أي سنة 487هـ / 1094م. وكان الحاكم الفعلي لمصر أكثر من عشرين سنة، بينما كان المستنصر الحاكم الاسمي؛ فالثلاثون سنة الأولى من عهد المستنصر حكم فيها فعلًا، والثلاثون الثانية كان بدر يفعل فيها كل شيء.
- فرح المستنصر بموت بدر ظنًا منه أنه تخلص من الوزير العظيم، لكن الأرمن فرضوا عليه ابن بدر ولقّبوه "الأفضل شاهنشاه". ويشبّه المتحدث ذلك بمشهد من فيلم الناظر.
- حكم الأفضل شاهنشاه نحو 25 سنة، فحكم بدر وابنه نحو 50 سنة: نصف عصر الوزراء العظام، وربع عمر الدولة الفاطمية.
- سلطة الوزراء: حكم الأفضل وزيرًا مع وجود الخلفاء، وهو الذي جاء بالخليفة المستعلي ثم بالخليفة الآمر، ثم قُتل في أيام الآمر. فالوزير في هذا العصر كان الحاكم الفعلي، يعزل الخليفة أو يعيّنه، وقد يعتدي عليه ويقتله.
- آثار بدر: المستنصر حكم ستين سنة ولا يُذكر له أثر، أما بدر فهو الذي بنى أسوار القاهرة من جديد (لا مجرد ترميم) وكتب اسمه عليها، وبنى باب الفتوح وباب النصر وباب زويلة.
نشأة مقابر باب النصر
- مصلى العيد: قبل سنة 480هـ / 1087م لم تكن في هذا المكان مقابر، بل كان مصلى العيد الذي يصلي فيه الخلفاء الفاطميون، اقتداءً بالنبي ﷺ في الصلاة في الخلاء خارج المدينة. وكان الخليفة يخرج من باب النصر ويعود من باب الفتوح، اقتداءً بالنبي أيضًا في الذهاب من طريق والعودة من آخر، ليرى أكبر عدد من الناس ويسلّم عليهم.
- قبر بدر: بعد سنة 480هـ قرر بدر أن يبني لنفسه قبة ضريحية خارج باب النصر. يقول المقريزي: "اعلم أن المقابر التي خارج باب النصر استُحدثت بعد سنة 480"، وأول من دُفن فيها بدر الجمالي، وظلت مقبرة له ولأسرته من بعده، ومنهم ابنه الأفضل شاهنشاه.
- فعمر هذه المقابر نحو 939 سنة، وكانت المقبرة الرئيسية للقاهرة الفاطمية، وهي تُزال اليوم.
قبة الشيخ يونس: هل هي قبة بدر الجمالي؟
- رأي حسن عبد الوهاب وحسن قاسم: قالا إن القبة المعروفة عند الناس بقبة الشيخ يونس قبة فاطمية، وبناءً على قول المقريزي إن بدرًا أول من دُفن هنا، جزما بأنها قبة بدر الجمالي، ثم عُرفت لاحقًا بقبة الشيخ يونس.
- وفاة الشيخ يونس: ذكر حسن قاسم أنه مات سنة 842هـ / 1438م، وهي السنة التي مات فيها السلطان برسباي، أي أنه مات في أيام برسباي. وذكر محمد عبد الستار عثمان أنه مات سنة 919هـ / 1513م، في أيام السلطان الغوري. ومنذ دفنه في القبة عُرفت باسمه.
- الشيخ يونس: هو الشيخ يونس السعدي الشيباني، شيخ الطريقة السعدية الصوفية، ولا يزال أتباعها يجلسون في المكان. أقام أولًا في خانقاه سعيد السعداء مع جماعة صوفية، ثم جاء وأقام هنا مع أتباعه، فلما مات دفنه أتباعه وتلاميذه ومريدوه وأسرته في هذه القبة. و"الشيباني" نسبة إلى طلحة بن شيبة من الجزيرة العربية، من بني شيبة، ويُقال إن نسبه يلتقي مع النبي ﷺ في الجد السابع.
- لماذا هذا المكان؟ كانت المنطقة صحراء في القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، بل كانت صحراء الريدانية (العباسية) صحراء حتى سنة 1850م، والصوفية يحبون الخروج إلى الصحراء بعيدًا عن ضوضاء المدينة. ويشبّه المتحدث ذلك بالرهبان في العصور المسيحية الذين يقيمون في القلايات والأديرة في الصحراء، ويرى أنها ظاهرة عابرة للحضارات والأديان، موجودة عند فلاسفة الهند والصينيين.
- رأي محمد عبد الستار عثمان: تلميذهما، الذي توفي قبل بضعة أشهر، رأى أن القبة من أواخر العصر الفاطمي، بينما عاش بدر في منتصفه، فلا يمكن أن تكون قبته.
- لماذا يبقى الأمر غير محسوم؟ لا يوجد على القبة نص تأسيسي فيه اسم أو تاريخ، كما على باب الفتوح وباب النصر (حيث قُرئ تاريخ 480). وحجة الأساتذة أنها القبة الفاطمية الوحيدة الباقية في المكان، فقارنوا المصدر المكتوب (كتب الرحالة والزيارات والخطط مثل كتب المقريزي) بالأثر القائم. أما الرأي المخالف فيرى أن القبة لا تليق ببدر، لأن المقريزي ذكر أنه بنى قبة عظيمة، وهذه ليست كذلك.
إزالة المقابر
- في سنة 2001م، أيام الرئيس مبارك، وُسّع شارع البنهاوي لربط شارع الدراسة بصلاح سالم عبر شارع الجيش، فأُزيلت مقابر كثيرة. وربما أُزيل معها قبر بدر الجمالي، مؤسس عصر الوزراء العظام، فلا يُعرف اليوم أين هو.
- حوش الصوفية: دُفن المقريزي وابن خلدون في حوش الصوفية هنا، وقد أُزيل مع الوقت ولم يعد موجودًا.
دول وجماعات: الشدة المستنصرية، الطريقة السعدية، الصوفية، الخلافة الفاطمية، الأرمن، مذبحة القلعة، فيلم الناظر
فهرس الحلقة
اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.
الأعلام
الآثار والأماكن
دول وجماعات وأحداث وكتب
أحداث مؤرَّخة في الحلقة
- 457هـ / 1065مالشدة المستنصرية: مجاعة كبرى في مصر1:55
- 567هـ / 1172مصلاح الدين الأيوبي يُسقط الدولة الفاطمية5:24
- 485هـ / 1092مانتهاء بدر الجمالي من بناء أسوار القاهرة7:05
- 487هـ / 1094موفاة بدر الجمالي7:19
- نحو 480هـ / 1087ماستحداث المقابر خارج باب النصر ودفن بدر الجمالي فيها، مكان مصلى العيد الفاطمي10:36
- 842هـ / 1438موفاة الشيخ يونس السعدي ودفنه في القبة (رواية حسن قاسم)، وهي سنة وفاة السلطان برسباي13:21
- 919هـ / 1513موفاة الشيخ يونس السعدي (رواية محمد عبد الستار عثمان) في أيام الغوري13:51
- 1266هـ / 1850مصحراء الريدانية (العباسية) لا تزال صحراء15:33
- 1422هـ / 2001متوسيع شارع البنهاوي وإزالة مقابر كثيرة خارج باب النصر18:09