جامع جاني بك الأشرفي

نظرة عامة: من داخل جامع جاني بك الأشرفي في شارع المغربلين، يراجع المتحدث عصور الآثار التي مرت بها الجولة منذ باب زويلة، ثم يروي قصة جاني بك مع السلطان الأشرف برسباي، ويشرح تخطيط الأربعة إيوانات وأصله، وصغر مساحة المدارس في العصر المملوكي الجركسي، وانحراف جدران الجامع بين الشارع والقبلة.
الموقع والطريق إليه
- الجامع في شارع المغربلين. فبعد الخروج من باب زويلة يكون أمامه مباشرة شارع الخيامية (وداخل الباب السكرية)، وعلى اليمين شارع تحت الربع (أحمد ماهر اليوم، ومكتوب عليه "تحت الربع سابقًا")، وعلى اليسار شارع الدرب الأحمر. وبعد انتهاء الخيامية والجوامع المغلقة يبدأ شارع المغربلين.
- تاريخ الجامع: سنة 830هـ / 1426م، في عصر السلطان الأشرف برسباي.
مراجعة العصور منذ باب زويلة
- باب زويلة فاطمي بناه بدر الجمالي. وخارجه جامع الصالح طلائع من أواخر العصر الفاطمي، بناه وزير من عصر الوزراء العظام.
- أمام الصالح طلائع زاوية فرج بن برقوق التي نُقلت 12 مترًا لتوسيع الشارع، وهي مملوكية جركسية.
- جامعا محمود الكردي الأستادار وإينال اليوسفي مملوكيان جركسيان من بداية عصر الجراكسة، بُنيا في عصر السلطان برقوق؛ الأول كان أستادارًا (مسؤول البيت السلطاني)، والثاني أتابكًا (قائد الجيش). ثم القصبة من العصر العثماني، ثم هذا الجامع المملوكي الجركسي.
- لم تمر الجولة بآثار من عصر المماليك البحرية ولا الأيوبيين؛ فلا أثر أيوبيًا هنا، وفترة الدولة الأيوبية قصيرة.
- أطوال العصور: العصر العثماني نحو 300 سنة، والمملوكي 267 سنة. ودولة المماليك الجراكسة (الشركسية أو البرجية) من 1382م إلى 1517م، من السلطان برقوق حتى الأشرف طومان باي الذي عُلّق على باب زويلة وانتهت عنده دولة المماليك.
السلطان الأشرف برسباي
- من أقوى سلاطين المماليك الجراكسة، حكم نحو 16 سنة من 1422م إلى 1438م.
- منشآته: جامع ومدرسة في شارع المعز، وفي صحراء المماليك حيث دُفن خانقاه للصوفية المنقطعين للعبادة، وجامع في الخانكة لا يزال قائمًا.
- في منتصف فترة حكمه تقريبًا (نحو 1430م) يظهر جاني بك الأشرفي.
معنى "الأشرفي"
- يُعرف أمراء المماليك بلقب السلطان الذي اشتراهم: مماليك الظاهر بيبرس "الظاهرية"، ومماليك الأشرف خليل "الأشرفية"، ومماليك الظاهر برقوق "الظاهرية"، ومماليك الناصر محمد بن قلاوون "الناصرية".
- في أواخر العصر المملوكي صار لا بد من التحديد، فهناك أشرفية خليل، وأشرفية إينال، وأشرفية الغوري، وظاهرية بيبرس وظاهرية برقوق، وناصرية الناصر محمد بن قلاوون وناصرية الناصر فرج بن برقوق. وجاني بك من أشرفية برسباي.
قصة جاني بك وبرسباي
- عاش جاني بك 25 سنة فقط. ويذكر المتحدث أن هناك روايتين: رواية يعرفها، وأخرى عند الدكتور الششتاوي.
- السجن: كان من عادة أمراء المماليك أن يمرّوا بفترة سجن أو نفي، وقد سُجن برسباي وهو أمير صغير، فانفضّ عنه مماليكه إلا واحدًا دخل معه السجن، هو جاني بك، الذي كان برسباي قد اشتراه وهو بعد أمير لم يحمل لقب "الأشرف" (فهذا اللقب يأخذه السلطان بعد تنصيبه). ثم خرج من السجن وارتقى حتى حكم مصر.
- رأي المتحدث: الشدائد ومحاولات الاغتيال والانقلاب هي التي تصنع الحاكم القوي وتدخله التاريخ، أما من وُلد وفي فمه ملعقة ذهب فلا يدخله. ويضرب مثلًا بصلاح الدين الأيوبي الذي تسلل الحشاشون إلى خيمته وضربوه فجرحوه في وجهه، وتعرض لأكثر من محاولة اغتيال، وسيرته جزء من تاريخ أوروبا (فرنسا وإنجلترا). والقصة نفسها حدثت مع الصالح نجم الدين أيوب، السلطان الأيوبي القوي قبل دولة المماليك، فقد سُجن ونُفي وعُزل. ويشير كذلك إلى قول حسني مبارك في خطاباته الأخيرة إنه واجه الموت مرات عديدة.
- أهل الثقة: حين حكم برسباي اعتمد على أهل الثقة قبل الكفاءة، أي على من دخل معه السجن وخدمه.
- وظائفه: عمل جاني بك خازندارًا، ثم دوادارًا ثانيًا، لا الدوادار الكبير الذي يكون واحدًا فقط ويكتب الرسائل السلطانية، وهو من أهم الوظائف، ويأتي بحسب القلقشندي في المرتبة الخامسة أو السادسة تقريبًا بعد السلطان ونائب السلطنة وأتابك العساكر. و"الدوادار" من الدواة و"دار" أي ممسكها، وتحت الدوادار الكبير دوادارية كثيرون.
- مرضه ووفاته: بنى هذا الجامع وجعل فيه قبة ضريحية، ثم مرض، فطلب برسباي أن يُعالج عنده في القلعة بجواره، وأشرف السلطان بنفسه على تمريضه. ولما شُفي سمح له بالانصراف، فأصابته نكسة ومات فجأة وعمره 25 سنة.
- دفنه: أمر برسباي أن تُبنى له قبة ضريحية بجواره في صحراء المماليك ليُدفن فيها، فكانا متجاورين في الحياة وبعد الموت. ويقدّم المتحدث ذلك مثالًا على الوفاء وحفظ الجميل عند المماليك.
- كان برسباي يبني داخل شارع المعز، أما أميره فلم يكن له مكان هناك، فاضطر إلى البناء هنا.
تخطيط الأربعة إيوانات
- النص التأسيسي المكتوب على الباب من الخارج يسمّيه "جامعًا"، وهو مبني على تخطيط الأربعة إيوانات، وأكبرها إيوان القبلة. ومع أنه جامع فقد استُخدم للتدريس.
- مقارنة بالصالح طلائع: كان جامع الصالح طلائع على طراز الجوامع القديمة: صحن تحيط به أربعة أروقة أكبرها رواق القبلة، والأسقف محمولة على أعمدة مجلوبة من الكنائس أو المعابد. أما هنا فلا أعمدة إلا العمودان على جانبي المحراب.
- الإيوان: كلمة فارسية بمعنى القاعة، وهي قاعة مغلقة من ثلاث جهات ومفتوحة على الصحن. وفي المدرسة يُدرَّس في كل إيوان مذهب، والمذاهب أربعة، لكن المتحدث يرى أن تطابق العدد مصادفة، لأن الجوامع القديمة كانت لها أربعة أروقة أيضًا.
- الأصل الإيراني: جاء هذا التخطيط من إيران، التي كانت قبل الإسلام دولة ساسانية. ومصطلحات العصرين الأيوبي والمملوكي فارسية أو تركية في الأصل: أتابك، دوادار، خازندار، سلحدار، بندقدار، إيوان، دركاه.
- المدارس والخانقاوات: كانت إيران آنذاك سنّية تحكمها دولة السلاجقة العظام (وهي اليوم شيعية إمامية اثنا عشرية)، بينما كانت القاهرة فاطمية شيعية والأزهر يدرّس المذهب الشيعي. فاخترعت إيران المدارس والخانقاوات لمحاربة الفكر الشيعي ونشر المذهب السني. والخانقاه كلمة فارسية معناها دار التعبد، يقيم فيها الصوفية المنقطعون للعبادة، وقد جاء بهم صلاح الدين لمحاربة الشيعة.
- دخلت المدارس مصر في أواخر العصر الفاطمي، وبنى صلاح الدين مدارس كثيرة على هذا التخطيط.
- درة هذا التخطيط: مدرسة السلطان حسن: صحن تحيط به أربعة إيوانات أكبرها إيوان القبلة. وفي إيوان القبلة يُدرَّس المذهب الرئيسي للدولة أو للباني الواقف، وغالبًا الحنفي أو الشافعي.
صغر المساحة في العصر الجركسي
- في العصر المملوكي الجركسي صغرت مساحات المدارس؛ فإيوان القبلة وحده في السلطان حسن بحجم هذا الجامع كله، وصحن السلطان حسن أكبر من المكان كله. وتمنى المتحدث لو دخلت الجولة مدرستي إينال اليوسفي ومحمود الكردي ليُرى حجمهما الصغير.
- السبب: ازدحام القاهرة، فالامتداد فيها رأسي لا أفقي، وأزمة السكن قديمة: في أيام الخديوي، وأيام العثمانيين، وأيام المماليك. فحتى الأمير المقرّب من السلطان كان يحصل على قطعة أرض صغيرة.
- أخذ أصحاب الدرجة الأولى شارع المعز، فخرج المماليك الجراكسة يعمّرون في صحراء المماليك (عند منشأة ناصر)، وكانت صحراء في وقتهم، وبعدها صحراء الريدانية. ويشبّه المتحدث ذلك بمصر الجديدة التي كانت صحراء يُوصل إليها بالترام في نصف ساعة بلا خدمات، وصارت اليوم كأنها وسط البلد.
- الحفاظ على الشكل: رغم صغر الأرض حافظ الباني على التخطيط القديم بأربعة إيوانات، والإيوانان الجانبيان صغيران (سدلتان)، وغُطّي الصحن (الدورقاعة) لصغر مساحته، وهو ما يصعب في صحن مدرسة كبيرة. فالغرض هنا ليس وظيفيًا، بل الحفاظ على الشكل الموروث كما في السلطان حسن.
- المكتبة: في الجامع مصاحف وكتب كانت موجودة فيه، على غرار مكتبة جامع محمود الأستادار.
انحراف الجدران والقبة
- الجدار على شكل شبه منحرف: من الخارج مضبوط على الشارع، ومن الداخل مضبوط على القبلة.
- في شارع المعز يكون هذا الانحراف في جدار القبلة، كما في قلاوون وبرقوق والناصر محمد، أما هنا فهو في الواجهة.
- أول جامع عُمل فيه ذلك هو الجامع الأقمر، إذ كانت الجوامع الفاطمية تُبنى على الشارع.
- القبة الضريحية: القباب الضريحية في العصر المملوكي الجركسي كانت كلها من الحجر، والزخرفة محفورة في الحجر من الخارج. وجدار القبة هنا منحرف أيضًا.
دول وجماعات: دولة المماليك الجراكسة، دولة المماليك البحرية، الدولة الأيوبية، دولة المماليك، الحشاشون، الدولة الساسانية، دولة السلاجقة العظام، الشيعة الاثنا عشرية، الصوفية، المذهب الحنفي، المذهب الشافعي
فهرس الحلقة
اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.