شعار قناة المماليكأرشيف المماليكحلقات يوسف أسامة عن تاريخ القاهرة

جامع الأمير تغري بردي المؤذي

شاهد على يوتيوب

نظرة عامة: جولة داخل مدرسة الأمير تغري بردي البكلمشي المعروف بـ"المؤذي" في شارع الصليبة، مع شرح لسيرته وتدرّج المماليك في الإمارة ونظام الإقطاع، وعمارة المدرسة وقبتها، وأسباب تشييد الأمراء للمنشآت من خلال الأوقاف، والتفريق بينه وبين المؤرخ ابن تغري بردي.

المدرسة وصاحبها

  • تاريخ البناء: بنى الأمير تغري بردي البكلمشي المدرسة سنة 844هـ / 1440م، في عصر دولة المماليك الجراكسة، في عهد السلطان جقمق الذي حكم 15 سنة بعد برسباي، من 1438م إلى 1453م؛ أي بعد سنتين تقريبًا من بداية حكم جقمق.
  • وفاته: مات بعد البناء بنحو سنتين، سنة 846هـ / 1442م، ودُفن في قبة المدرسة، وكان عمره نحو سبعين سنة.
  • كان موجودًا منذ زمن بعيد، مثل قانباي المحمدي من الجيل نفسه، إذ كان في خدمة السلطان برقوق في البداية.

تدرّج المملوك في الإمارة

  • المراتب: يبدأ المملوك عبدًا من سوق الرقيق، ثم ينال حريته فينتقل من المملوكية إلى الجندية، فيصير جنديًا ثم فارسًا، ثم أمير خمسة (تحته خمسة فرسان)، ثم أمير عشرة، ثم أمير طبلخانة (تحته أربعون)، وسُمّي كذلك لأن له الحق في أن تُدقّ له الطبول حين يقابل السلطان وفي المواكب الرسمية والاحتفالات، ثم أعلى درجات الإمارة: أمير مائة مقدّم ألف، ويشبّهه المتحدث برتبة "أركان حرب" اليوم.
  • حاجب الحجّاب: بعد أن صار أمير مائة مقدّم ألف تولى تغري بردي وظيفة حاجب الحجاب، وهي الوظيفة نفسها التي شغلها خاير بك قبل أن يصبح نائب حلب.

نظام الإقطاع وحاجب الحجاب

  • دولة إقطاعات عسكرية: كان للعسكري في دولة المماليك إما "جوامك" وهي مرتب شهري، وإما "إقطاعية" وهي قطعة أرض يأخذ ريعها مقابل خدمته في الجيش. وتتفاوت الإقطاعات حسب الرتبة، فمن يأخذ مدينة مثل بنها لا بد أن يكون شخصًا كبيرًا.
  • أمثلة: طلب بيبرس من قطز أن يعطيه حلب كلها إقطاعًا. وفي أيام صلاح الدين كانت الدولة مقسّمة إقطاعات بين أقاربه، فلهذا الإسكندرية ولذاك البحيرة.
  • الإقطاع لا يُورَث: إذا خرج صاحبه من الجيش أو قُتل لا يرثه أولاده، بل يعود ملكًا للدولة.
  • مهمة حاجب الحجاب: هو المسؤول عن تنظيم الإقطاعات العسكرية وتوزيعها، وكان يقسّمها كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع، لأن هناك دائمًا من يُفصل أو يُنفى أو يُقتل فيذهب إقطاعه لغيره؛ ولذلك كانت وظيفة مهمة.

الدوادار الكبير وأسماء الشوارع

  • بقي تغري بردي نحو سنة حاجبًا للحجاب، ثم رقّاه السلطان إلى الدوادارية الكبرى، وهي وظيفة أعلى، شغلها أيضًا قانباي المحمدي صاحب الجامع في شارع شيخون.
  • أصل كلمة "دوادار": مركّبة من "دوا" أي الدواة (وعاء الحبر)، و"دار" وهي فارسية بمعنى المسؤول أو المختص. ومثلها: خازندار (مسؤول الخزانة)، وركابدار (مسؤول ركاب السلطان)، وبندقدار (مسؤول البندق)، ودفتردار (مسؤول دفتر الأموال).
  • الموقع: دخلنا من عند سبيل أم عباس إلى شارع الصليبة، الذي كان اسمه القديم بحسب المرحوم حسن قاسم في كتابه "المزارات الإسلامية" شارع الأساكفة، أي صانعي الأحذية، ومنه "جامع الإسكاف".
  • تغيّر أسماء الشوارع: يذكر حسن قاسم أن الشارع الذي فيه قانباي المحمدي كان اسمه قبل أن يصير شارع شيخون "سويقة منعم"، ثم صحّحه في الهامش إلى "سويقة عبد المنعم"، كما فعل في اسم "عبد اللطيف" و"لطيف". ويقول علي مبارك إنه كان في وقته يُسمّى "سويقة السمّاكين". فأسماء الشوارع تتغير باستمرار.

عمارة المدرسة

  • الإيوانات: في المدرسة نحو أربعة إيوانات أكبرها إيوان القبلة، لكن المساحة ضيقة فاضطر إلى تصغيرها، حتى إن المدرسة كلها في حجم إيوان القبلة في مدرسة السلطان حسن.
  • عمارة أمير لا سلطان: السلاطين يأخذون الشوارع والميادين الرئيسية مثل شارع المعز وميدان الرميلة وصحراء المماليك، أما الأمراء فيبنون خارجها في الدرب الأحمر وباب الوزير والصليبة. وقد حافظ على التقليد القديم فصغّر الإيوانين الجانبيين، ويُسمّى كل منهما "سدلة".
  • الصحن: في عصر المماليك البحرية كان الصحن مكشوفًا لكبره، أما في عصر المماليك الجراكسة فكان مغطّى، مثل صحن مدرسة قايتباي في القرافة (التي على الجنيه) المغطّى بشخشيخة. والغطاء الحالي هنا جديد، وقد تُوجد بقايا السقف القديم أو الشخشيخة على السطح.
  • المحراب والمنبر: المحراب بسيط، وبجانبه منبر خشبي، بعد أن رأينا المنبر الحجري في منشأة شيخو الذي قيل إنه ليس الأصلي.
  • النوافذ المثلثة: نوافذ جدار القبلة ليست متساوية، فسُمك الجدار يأخذ شكل مثلث؛ لأن المعمار أراد أن يكون الجدار من الخارج مضبوطًا على خط الشارع، ومن الداخل مضبوطًا على اتجاه القبلة، فلو جعل الوجهين متماثلين لصارت القبلة معوجّة أو صار المبنى معوجًّا على الشارع.

اسمه ولقبه

  • "المؤذي": هو الوحيد في العصر المملوكي الذي حمل هذا اللقب واشتُهر به، لكثرة إيذائه للناس.
  • "البكلمشي": نسبة إلى أمير اسمه بكلمش اشتراه، وليس إلى تاجر رقيق. بخلاف أسماء أخرى منسوبة إلى تجار الرقيق: قانباي المحمدي (تاجره محمد)، وشيخو العمري (تاجره عمر)، والمؤيد شيخ المحمودي (تاجره محمود).
  • دخول التاريخ: رغم لقبه دخل التاريخ وخلّد اسمه بالجامع والقبة التي دُفن فيها. ويرى المتحدث أن أول دوافع البناء في العصر المملوكي تخليد الاسم، وثانيها الظهور أمام الناس بمظهر المتدين، فالناس والأمراء على دين ملوكهم.

الأوقاف ونظرية الششتاوي

  • أهم الأسباب: يرى المتحدث أن السبب الأهم هو الأوقاف، وهو مجال عمل الدكتور الششتاوي طوال حياته العلمية؛ فقد اطّلع على مئات الوقفيات المملوكية وحقّقها، ولا توجد وقفية مملوكية لم يعمل عليها، وهو معروف في الجامعات العالمية حتى إن طلابًا من أوروبا يسألون المتحدث عن أبحاثه.
  • ما هي الوقفية: وثيقة تصف المكان: عدد أبوابه ونوافذه وأرضه وحدوده والشوارع حوله، ومنها نعرف أسماء الشوارع والحارات القديمة. وتحدد أيضًا عدد الأفدنة الموقوفة، ومرتب الواقف نفسه، والإمام والمؤذن والفرّاش، ونفقات صيانة القبة.
  • الأوقاف استثمار: كان الأمير يبني الجامع ليحبس عليه مئات أو آلاف الأفدنة، فيُنفق على الجامع جزء صغير (5 أو 10 في المئة مثلًا) ويذهب الباقي له ولعائلته مدى الحياة. ويشبّه المتحدث ذلك بشهادات الاستثمار البنكية.
  • نظرية الششتاوي: خلص إلى أن 51% من أسباب تشييد هذه المنشآت هي غسيل الأموال والحصول على الأوقاف بطريقة قانونية "شرعية" أمام القاضي وعلى الورق، أما ما بينهم وبين الله فلا نتدخل فيه.
  • إلغاء الوقفيات: كان فرج بن برقوق يقطع الوقفيات، واستولى السلطان برسباي على كل الوقفيات حتى وقفية زوجته. لذلك كان الواقفون يكتبون الوقفية على الحجر خوفًا من أن يفعل من يأتي بعدهم الشيء نفسه.
  • تغري بردي: استولى على الأوقاف والأراضي، ولم يكن وحده في ذلك، لكنه "زوّد العيار". ويرى المتحدث أن نحو 99.99% من أمراء وسلاطين المماليك فعلوا ذلك، وأنهم كانوا حكامًا أجانب لا يشبهون المصريين.

الأوقاف والآثار

ابن تغري بردي والمقريزي

  • عدم الخلط: يخلط بعض الناس بين الأمير تغري بردي والمؤرخ ابن تغري بردي؛ وهما متعاصران، لكن ابن تغري بردي من الجيل التالي. واسمه جمال الدين (اللقب) أبو المحاسن (الكنية) يوسف (اسم الميلاد) بن تغري بردي.
  • مكانته: هو ثاني أهم مؤرخ لتاريخ مصر الإسلامية في العصور الوسطى بعد المقريزي، أما في العصر الحديث فالأول هو الجبرتي.
  • المقريزي: "عميد مؤرخي مصر الإسلامية"، كما يُقال لطه حسين "عميد الأدب العربي"، ولا يمكن لباحث أن يتكلم في تاريخ العصور الوسطى دون الرجوع إليه. وُلد في أواخر عصر المماليك البحرية وعاش في عصر المماليك الجراكسة، وكان شاهد عيان على أحداث عصر فرج بن برقوق والمؤيد شيخ، وكان مؤرخًا قويًا محللًا وناقدًا، وأهم كتبه "الخطط".
  • كتب ابن تغري بردي: "المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي"، وأهمها "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة".
  • مصر والقاهرة: يفرّق عنوان الكتاب بين "مصر" وهي الفسطاط والعسكر والقطائع، و"القاهرة" وهي القاهرة الفاطمية (من باب زويلة إلى الداخل). ولهذا ما زال القادمون من الأقاليم (الصعيد أو بحري أو الإسكندرية) يقولون "أنا نازل مصر" لا "رايح القاهرة"، لأن العاصمة كانت تُسمّى مصر.

القبة الضريحية

  • في القبة انكسارات في الجدران للسبب نفسه: الداخل مضبوط على القبلة والخارج مضبوط على الشارع.
  • القبة كلها من الحجر، ففي عصر المماليك الجراكسة كانت القباب حجرية تُزخرف من الخارج، بخلاف عصر المماليك البحرية حين كانت من الآجر.
  • في القبة ضريح تغري بردي، الذي دُفن فيها بعد سنتين من بناء المدرسة (844هـ / 1440م)، إذ مات سنة 846هـ / 1442م وعمره نحو سبعين سنة. وفيها محراب بسيط، ونوافذ مثلثة الشكل للسبب نفسه، فالجدران ليست متساوية السُّمك.

دول وجماعات: المزارات، ديوان الأوقاف، وزارة الأوقاف، لجنة حفظ الآثار العربية، مصلحة الآثار، هيئة الآثار، المجلس الأعلى للآثار، الخطط المقريزية، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، النجوم الزاهرة، دولة المماليك الجراكسة، دولة المماليك البحرية

فهرس الحلقة

اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.

أحداث مؤرَّخة في الحلقة

  • 844هـ / 1440مبناء مدرسة الأمير تغري بردي المؤذي في عهد السلطان جقمق0:14
  • 841–857هـ / 1438–1453محكم السلطان جقمق بعد برسباي0:29
  • 846هـ / 1442موفاة الأمير تغري بردي المؤذي ودفنه في قبة مدرسته عن نحو سبعين سنة0:52
  • 1299هـ / 1882مخروج لجنة حفظ الآثار العربية من ديوان الأوقاف16:46