من هو أحمد بن طولون

نظرة عامة: يواصل المتحدث من موضع مدينة القطائع الحديث عن أحمد بن طولون: نشأته وتعليمه، وكيف وصل إلى حكم مصر نائبًا عن أصحاب الإقطاع، ثم كيف أسس الدولة الطولونية بوصفها أول "دولة مستقلة" في مصر الإسلامية، وشروط الاستقلال ومظاهر التبعية للخلافة العباسية، ورأيه في أن الدول المستقلة كانت مظهر قوة لا ضعف.
المولد والتعليم
- وُلد أحمد بن طولون سنة 220هـ / 835م، وجاء إلى مصر سنة 254هـ / 868م، وكان عمره بالحساب الهجري 34 سنة.
- اهتمام أبيه بتعليمه: كان لطولون أبناء كثيرون، لكنه ركّز على تعليم أحمد. ويستخلص المتحدث من ذلك أن أهم ما يتركه الأب لابنه هو التعليم لا المال أو الملك. فتفوّق أحمد على كل أقرانه من الأتراك بعقله، وكان طموحًا بلا حدود.
- كانت تلك القبائل التركية وثنية، فإذا اشتراهم الخلفاء العباسيون اعتنقوا الإسلام وتعلموا العربية. فعلّمه أبوه العربية أولًا، ثم حفظ القرآن والأحاديث، ودرس السيرة النبوية، وصار فقيهًا على المذهب الحنفي وهو لا يزال شابًا.
- عصر العلم: كان ذلك زمن الرواج والعلم والترجمة والتأليف وجمع الأحاديث في الدولة العباسية، ويذكر المتحدث أن الإمام البخاري مات في الوقت الذي حكم فيه أحمد بن طولون مصر. وكان أحمد يلتقي بالمحدّثين أنفسهم الذين التقى بهم البخاري وتعلم منهم.
- يقارن المتحدث ذلك بصلاح الدين الذي ميّزه التعليم أيضًا، فالتعليم في رأيه هو ما يفتح العقل ويمنح الخيال، وليس السياسة أو العسكرية وحدهما.
- أخلاقه: تميّز عن أقرانه الأتراك بانفتاح عقله، ولم يكن غدّارًا مثلهم لأن له مرجعية دينية تجعله يخاف الله. ويؤكد المتحدث أنه لم يكن ملاكًا، لكن المؤرخين يقولون إن ما له أكثر بكثير مما عليه.
الطريق إلى حكم مصر
- لما مات أبوه طولون انتقلت إمارة الستر وكل المهام التي كانت لأبيه إلى أحمد.
- أمه: اسمها قاسم، وتكتبها بعض المصادر "جاسم" بالجيم. تزوجت بعد وفاة طولون من بايكباك، أحد كبار القادة الأتراك بل أكبرهم في وقته.
- إقطاع مصر: لما صارت مصر إقطاعًا لبايكباك، أرسل أحمد ليحكمها نيابة عنه (ويستشهد المتحدث بمشهد من فيلم "فول الصين العظيم" لمحمد هنيدي). وكان الإقطاع لمدة سنتين، أشبه بعقد عمل: يأخذ صاحبه الضرائب فيقتطع نسبته ويرسل الباقي إلى دار الخلافة. وكان القادة الأتراك يفضّلون البقاء في دار الخلافة قرب الخليفة ويرسلون من ينوب عنهم.
- جاء أحمد بن طولون يحكم مصر وعمره 34 سنة باسم صاحب الإقطاع بايكباك.
- موت بايكباك: قُتل بايكباك، وكان يُفترض أن يعود أحمد، لكن الدولة العباسية حين وزّعت الإقطاعات جعلت إقطاع مصر ليارجوخ، وهو حمو أحمد بن طولون (أبو زوجته)، فقال له يارجوخ: "سلّم من نفسك لنفسك"، أي اعمل في الإقطاع ما تريد.
الوفاء للخليفة المستعين
- قصة المستعين: لما عُزل الخليفة المستعين وتولى بعده المعتز، وكان طفلًا تتحكم فيه أمه قبيحة (هكذا تسميها المصادر القديمة، وسماها المقريزي فتيحة)، ذهب المستعين إلى مدينة واسط في العراق، وطلب أن يرافقه أحمد بن طولون في حرسه، فوافق أحمد لأنه بايعه، ورأى أن له في عنقه بيعة حتى بعد عزله.
- طلبت قبيحة أم المعتز من أحمد أن يقتل المستعين المعزول، ووعدته بواسط والرقة وعدة مدن، فرفض، وانتهى التفاوض إلى أنه لن يدخل في ذلك لأنه حارس الخليفة.
- "سبحان الله": لما آل إليه حكم مصر قال إنه لما رفض قتل الخليفة المستعين ورفض أن يكون خائنًا -مع أن الأتراك يقولون إن الخيانة هي التي توصل- أكرمه الله: فأبوه طولون، وأمه قاسم تزوجت بعده بايكباك أكبر قادة الأتراك، وهو نفسه تزوج بنت يارجوخ الذي آل إليه الإقطاع بعد بايكباك.
تأسيس الدولة الطولونية وشروط الاستقلال
- لم يكن أحمد بن طولون ممن يقيم سنتين ثم يرحل؛ فلما دخل مصر ورأى النيل وبنى القطائع، طمح إلى تأسيس دولة ذات حكم وراثي مستقل له ولأسرته، وهو ما يُسمى "عصر الدول المستقلة". فبعد أن كان الوالي يتغير كل سنتين، استمرت الدولة الطولونية دويلةً مستقلة 38 سنة.
- حكم من أسرته خمسة حكام في 38 سنة: هو، ثم ابنه خمارويه، حتى انتهى الحكم إلى شيبان بن أحمد بن طولون.
- شروط الدولة المستقلة ثلاثة:
- حكم وراثي: لم يكن التوريث موجودًا قبله، ولم يورّث أحد من الولاة حتى عمرو بن العاص. ويضرب المتحدث مثلًا ببوش الأب وبوش الابن في أمريكا، فذلك انتخاب لا توريث. ومثله الوالي هرثمة بن أعين وابنه حاتم بن هرثمة بن أعين الذي صار قائدًا للشرطة (كوزير الداخلية) وتفوق على أبيه. أما أحمد بن طولون فجعل ولاية العهد لابنه، ولذلك سُمّيت الدولة "الطولونية".
- جيش: أنشأ أول جيش مستقل في تاريخ مصر الإسلامية، ولم يكن جنوده من المصريين، بل هو جيش الدولة الطولونية. وكان جيش مصر قبله هو جيش الخلافة العباسية.
- عملة: كانت عملة مصر قبله عملة الخلافة العباسية، فسكّ عملته الخاصة.
- الاستقلال الذاتي: مع ذلك ظل يدين بالولاء والطاعة للخلافة العباسية، ومنها يحصل على التفويض بالحكم، وبمباركتها وموافقتها يورّث الحكم لأبنائه.
مظاهر التبعية للخلافة العباسية
- الدعاء للخليفة على المنابر في كل خطبة جمعة، والمنبر هو "الجريدة الرسمية" في العصور الوسطى. فكان يُدعى للخليفة المهتدي ثم المعتمد على الله الذي عمل معه أحمد فترة طويلة: "اللهم انصر أمير المؤمنين الخليفة المعتمد على الله، وانصر الأمير أحمد بن طولون".
- نقش اسم الخليفة على العملة وعلى الطراز، أي ملابسه الخاصة؛ فعباءته وعمامته مكتوب عليها اسم الخليفة واسمه. وهو تقليد قديم منذ الدولة الأموية يُسمى "الخلعة".
- إرسال الأموال المقررة على الولاية (الخراج والضرائب)، وهي أهم شيء عند الدولة العباسية ولا تتهاون فيه. والعناصر الثلاثة مرتبطة، فمن أسقط واحدًا منها أسقط الباقي. وهذا شكل الدولة الطولونية وسائر الدول المستقلة.
الدول المستقلة: ضعف أم قوة؟
- يختلف المؤرخون المحدثون: فريق يراها مظهر ضعف للخلافة العباسية، وفريق يراها مظهر قوة، وهو رأي المتحدث.
- حجته الأولى: لم تكن الدولة العباسية ضعيفة في القرنين الثاني والثالث الهجريين (الثامن والتاسع الميلاديين) حين قامت الدول المستقلة، بل إن هارون الرشيد، أقوى خلفائها، هو من أقام لمصلحته دولة مستقلة هي دولة الأغالبة.
- الأدارسة والأغالبة: العلويون الذين كانوا مع العباسيين في المعارضة (مع الفرس) أقاموا سنة 172هـ، بعد 49 سنة من قيام الدولة العباسية، دولة الأدارسة في المغرب (كالمملكة المغربية وموريتانيا اليوم)، ويسميها البعض دولة شيعية ويفضّل المتحدث تسميتها علوية. وبعد قيامها بـ12 سنة سمح هارون الرشيد بقيام دولة الأغالبة في تونس لتكون حاجزًا أمام دولة الأدارسة المعادية.
- التنافس: كانت الدول المستقلة تتنافس، فيجد الخليفة في بغداد أن خراج مصر أكثر من خراج غيرها. وكان لأحمد بن طولون جيش قوي وعملة قوية هي "الدينار الأحمدي" الذي سكّه في مصر، وهي أول مرة تسك فيها مصر عملة دولتها، وكانت قيمته الشرائية تفوق الدينار العباسي في العراق. وفي شرق العالم الإسلامي كانت دول مثل الدولة السامانية والدولة الغزنوية تسعى لإثبات أنها أقوى من الدولة الطولونية، والمستفيد في النهاية هو الدولة العباسية.
- حجته الثانية: لما رأت الدولة العباسية تداعي الأحوال في مصر وأن الدولة الطولونية ستسقط، أرسلت جيشًا دمّر القطائع، واعتقل أسرة أحمد بن طولون كلها وساقهم مقيدين بالسلاسل، وصلب المصريين. ويقول المؤرخ أبو المحاسن: "لو دخلت جيوش الروم ما فعلت مثل هذه الفظائع"، وهذا جيش دولة قوية.
- حجته الثالثة: قامت الدولة الفاطمية في المغرب، وحين سقطت الدولة الطولونية ولم تكن في مصر دولة مستقلة، أخذ الفاطميون يرسلون الحملات لاحتلال مصر، ولم يتوقفوا إلا حين قامت الدولة الإخشيدية. فالدول المستقلة كانت في صالح الخلافة، لأن الفاطميين لو أخذوا مصر لأخذوها من الخلافة، ويشير إلى أن الأمر تغيّر حين ضعفت الخلافة العباسية وسقطت الدولة الإخشيدية.
دول وجماعات: فول الصين العظيم، الدولة الطولونية، الخلافة العباسية، الخلافة الأموية، دولة الأغالبة، دولة الأدارسة، الدولة السامانية، الدولة الغزنوية، الخلافة الفاطمية، الدولة الإخشيدية، الأتراك، العلويون، المذهب الحنفي
فهرس الحلقة
اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.