مقياس النيل

نظرة عامة: جولة داخل مقياس النيل عند الطرف الجنوبي لجزيرة منيل الروضة، يشرح فيها المتحدث تاريخ مقاييس النيل في مصر، وسبب بناء هذا المقياس وصلته بالضرائب ووفاء النيل، وعمارته وكتاباته الكوفية، والخلاف حول اسم مهندسه، وترميماته حتى القرن العشرين.
أقدم أثر إسلامي باقٍ على حاله
- يُعدّ المقياس (247هـ / 861م) أقدم أثر إسلامي في مصر باقٍ على حالته، مع التشديد على عبارة "باقٍ على حالته".
- مقارنة بجامع عمرو بن العاص: جامع عمرو (20هـ) هو أقدم أثر إسلامي في مصر وأول جامع في مصر وأفريقيا، لكنه لم يبقَ على حاله؛ فلم يتبقَّ منه إلا الأرض التي بُني عليها، إذ جُدّد واحترق ووُسّع مرات كثيرة، وكان الجامع القديم 25 مترًا في 15 مترًا.
- مقارنة بجامع ابن طولون: جامع أحمد بن طولون هو أقدم جامع باقٍ على حالته، أما المقياس فأقدم أثر باقٍ على حالته، وهو ليس مبنًى دينيًا.
- سياقه الزمني: يعود المقياس إلى عصر الولاة في العصر العباسي قبل الدولة الطولونية. كان الخليفة المتوكل في العراق وعاصمته سامراء (حيث نشأ أحمد بن طولون)، وكانت عاصمة مصر حينئذ العسكر.
- جاء أحمد بن طولون إلى مصر سنة 254هـ، أي بعد المقياس بسبع سنين.
- بُنيت القطائع، العاصمة الإسلامية الثالثة لمصر، سنة 256هـ، أي بعد المقياس بتسع سنين.
- بُني جامع أحمد بن طولون سنة 263هـ.
مقاييس النيل قبل مقياس الروضة
- في مصر القديمة: عرف المصريون القدماء مقاييس النيل. وفي الأساطير أن "العجوز دلوكة" حكمت مصر بعد أن غرق الرجال مع فرعون، وبنت سورًا حول مصر ومقاييس للنيل، وأن ملكًا قيل إنه سابع ملوك مصر بعد الطوفان بنى مقاييس كذلك.
- رواية ابن عبد الحكم: يذكر المؤرخ ابن عبد الحكم أن أول من بنى مقياسًا للنيل في مصر هو النبي يوسف عليه السلام.
- في العصر الإسلامي:
- عمرو بن العاص، بعد دخول العرب المسلمين مصر، بنى مقياسين في أسوان ودندرة.
- معاوية بن أبي سفيان بنى مقياسًا في أنصنا، وهي اليوم قرية الشيخ عبادة في المنيا. وكانت أنصنا عاصمة الصعيد، بينما كانت عاصمة مصر قبل الإسلام الإسكندرية، ويُقال إن السيدة ماريا القبطية منها.
- كل ذلك في القرن الأول الهجري (بعد سنة 20هـ زمن عمرو، وبعد 40هـ زمن معاوية).
- عبد العزيز بن مروان، والي مصر في العصر الأموي وأبو عمر بن عبد العزيز، بنى مقياسًا في حلوان.
- أسامة بن زيد التنوخي، والي مصر، بنى مقياسًا هنا في الروضة سنة 92هـ / 711م.
- ويُقال إن الخليفة المأمون بنى هنا مقياسًا أيضًا. والمأمون عمّ المتوكل؛ فالمتوكل ابن المعتصم بن هارون الرشيد، والمأمون ابن هارون الرشيد.
- المقياس الجديد: أبطل المتوكل المقاييس القديمة كلها، وأمر والي مصر يزيد بن عبد الله التركي (في عصر نفوذ الأتراك) أن يبني مقياسًا في طرف "جزيرة مصر"، ولم تكن تُسمّى بعد الروضة ولا المنيل. فسُمّي "المقياس الجديد" سنة 247هـ (جديدًا بالنسبة لما قبله)، أو "المقياس الهاشمي".
لماذا يُقاس النيل؟ الجزية والخراج
- الغرض من المقياس هو الضرائب والزراعة، إذ كان دخل مصر يعتمد على مصدرين:
- الجزية: كانت مفروضة على أهل الذمة من المسيحيين واليهود، وظلت مفروضة على المسيحيين حتى سنة 1855م حين أبطلها محمد سعيد باشا. كان غالبية أهل مصر في البداية مسيحيين؛ فحين دخل عمرو بن العاص كان هناك 16 ألف عربي و3 ملايين مسيحي، يدفع كل واحد دينارين في السنة. وبعد استبعاد الرهبان والعجزة والشيوخ والأطفال والنساء يبقى نحو الثلث، أي نحو مليون، فتكون الجزية نحو مليوني دينار في السنة.
- الخراج: ضريبة على الأرض المزروعة أيًّا كان مالكها، مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا. قبل الإسلام كان يُفرض على المساحة بغض النظر عن الغلة، وتؤخذ الأرض بالتزام لمدة خمسين سنة، فلا يقدر عليه إلا الإقطاعيون الأغنياء. وبعد الإسلام صار من العدل أن يُفرض على الغلة، ولذلك لزم معرفة بلوغ الماء "حد الوفاء"، وهو 16 ذراعًا.
- العمود: المبنى كله أُقيم من أجل العمود الذي في وسطه، وطوله 19 ذراعًا، ويعلوه تاج روماني كورنثي. والذراع نحو 52 إلى 54 سنتيمترًا. فإذا بلغ الماء 16 ذراعًا استُحق الخراج كاملًا، واستطاع الناس زراعة ما يشاؤون.
- يشبّه المتحدث ذلك بمنع وزارتي الزراعة والري المصريين منذ مدة قريبة من زراعة الأرز بسبب مشكلات المياه. وقد تغيّر كل ذلك مع محمد علي، مؤسس نهضة مصر الحديثة، الذي أحلّ الري الدائم محل ري الحياض.
القراءة ووفاء النيل وتخليق المقياس
- موعد القراءة: يُنظر إلى بلوغ 16 ذراعًا في يوم 25 من شهر بؤونة القبطي (نحو 8 يونيو إلى 7 يوليو). والفيضان يأتي من النيل الأزرق ومن بحيرة فيكتوريا في الشهور 7 و8 و9 و10، وذروته في أغسطس.
- شيخ المقياس: موظف يقرأ المقياس كل يوم ويسجّل، وفي أواخر بؤونة يبدأ إبلاغ الحاكم والدولة. فإذا بلغ الماء 16 ذراعًا يوم 25 بؤونة صار الخراج كاملًا وأُقيم الاحتفال بوفاء النيل.
- الستارة الصفراء: حين يبلغ الماء 16 ذراعًا تُعلَّق على المقياس ستارة صفراء، ويأتي كبار رجال الدولة ويُقام احتفال كبير بالشواء والطعام.
- تخليق المقياس: تُحضَر قصعة من الفضة فيها مسك مذاب مع الزعفران، وينزل شيخ المقياس أو الحاكم أو من ينوب عنه (وكثيرًا ما نزل الحاكم بنفسه)، فيتعلق بالعمود بيده اليسرى ويأخذ المادة بيده اليمنى ويدهن بها علامة الستة عشر ذراعًا. ثم يخرج الحاكم ليقيم الاحتفال بكسر الخليج.
عمارة المقياس
- أرضية البئر في مستوى قاع نهر النيل.
- دخول الماء: يدخل الماء من ثلاث فتحات في الجانب الشرقي. فالماء يأتي من الجنوب، لكن المهندس (أحمد بن محمد الحاسب أو أحمد بن كثير الفرغاني) حسب بحساباته وبرجله أن أفضل مكان لدخول الماء دون أن يؤثر في العمود، وليستقر في المقياس، هو الجانب الشرقي؛ ولو فُتحت من جهة الجنوب لاندفع الماء.
- ثلاثة أجزاء: الجزء السفلي دائري حتى يدور الماء ثم يستقر، والجزءان العلويان مربعان.
- سُمك الجدران: يزداد سمك الجدران كلما زاد العمق، لأن المهندس كان يعلم أن الضغط الأفقي للتربة على الجدران يزداد مع العمق.
- يرى المتحدث أنه مهندس بارع، وأن أسس هذه الهندسة ما زالت مأخوذًا بها، وأن كل دارس لتاريخ العمارة في مصر لا بد أن يأتي إلى هذا المقياس.
الكتابات والخلاف حول المهندس
- أقدم كتابة كوفية على العمارة في مصر: الكتابات في الضلعين الشمالي والشرقي، وتبدأ بالبسملة. وهناك كتابات كوفية أقدم منها لكن على شواهد القبور والتحف التطبيقية، لا على عمارة ثابتة؛ وجامع عمرو لم يتبقَّ منه شيء من كتاباته.
- تجديد أحمد بن طولون: جدّد ابن طولون المقياس سنة 259هـ / 873م، أي بعد بنائه باثنتي عشرة سنة، وأثبت ترميمه في كتابات الضلعين الغربي والجنوبي. وكانت الكتابات تبدأ بالبسملة والآيات ثم يأتي اسم المهندس، فلما جدّد ابن طولون أزال اسم المهندس، ومن هنا نشأ الخلاف: هل هو أحمد بن محمد الحاسب أم أحمد بن كثير الفرغاني؟
- رواية ابن خلكان: المؤرخ ابن خلكان، الذي عاصر الدولتين الأيوبية والمملوكية، كتب أن المقياس كان يحمل اسم الخليفة المتوكل، وسنة 247هـ، واسم الوالي يزيد بن عبد الله التركي، واسم المهندس أحمد بن محمد الحاسب.
- المعلومة المكتوبة والمعلومة الأثرية: مثال ذلك أن المؤرخ يكتب أن صلاح الدين الأيوبي بنى القلعة سنة 572هـ / 1176م، فإذا وُجد نص في القلعة بذلك أثبتت المعلومةُ الأثرية المعلومةَ المكتوبة. أما هنا فالنص الأثري أُزيل، فبقيت معلومة ابن خلكان وحدها. ويرى المتحدث أن كلامه صحيح بنسبة كبيرة، رغم أنه لم يكن معاصرًا للبناء بل نقل عمّن قبله.
الستة عشر ذراعًا وجماليات البناء
- يُقال: "إذا قلّ حرّق، وإذا زاد غرّق"؛ فإن قلّ الماء عن 12 ذراعًا جفّت الأرض ولم تُزرع، وإن زاد عن 18 ذراعًا حدث الفيضان والغرق، وأفضل شيء 16 ذراعًا.
- "الجمال من أجل الجمال": في المقياس أقدم كتابات بالخط الكوفي في مصر، وأقدم عقد مدبب في مصر، وأقدم عمود "مخلّق" في مصر (يخرج من زاوية العقد). وكل ذلك كان مغمورًا بالماء طوال الوقت لا يراه أحد، فصنعه الفنان للجمال وحده.
القبة والترميمات
- قبة بيبرس: أول من أقام قبة على المقياس هو الظاهر بيبرس، مؤسس دولة المماليك الذي حكم 17 سنة، في آخر سنة من حكمه: 676هـ / 1277م. ثم أُزيلت هذه القبة، ورمّم المقياس بعده كل حكام مصر المهمين.
- القبة الحالية: من الداخل قبة، ومن الخارج شكل مخروطي. وفيها نص بآيات قرآنية متصلة بالماء، يبدأ بالبسملة و"وأنزلنا من السماء ماءً بقدر"، وتاريخه شهر ذي القعدة سنة 1367هـ / 1948م، أي في عصر الملك فاروق.
- الحملة الفرنسية (1799م): رُمّم المقياس زمن الحملة، وكتب الفرنسيون ذلك في نص، وأرادوا أن يجعلوا منه متحفًا فلم يتم. ونظّفوا قاع المقياس من الطمي، وهو أمر مهم؛ فلو كان في القاع نصف ذراع من الطمي لكانت قراءة 16 ذراعًا في الحقيقة 15 ذراعًا ونصفًا. ويُقال إنهم زادوا العمود ذراعًا.
- الخديوي توفيق: طلب سنة 1887–1888م أن ترمّمه وزارة الأشغال. ثم هبط العمود أول مرة 3 سنتيمترات ثم 6 سنتيمترات.
- الملك فؤاد: طلب سنة 1925م من لجنة حفظ الآثار العربية وتفتيش ري الجيزة أن يتعاونا، ومن ذلك الوقت أُغلق المقياس وصار يُحافَظ عليه أثرًا.
- الإهمال: بدأ إهمال المقياس منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقيل إنه بدأ يُغلق منذ بُني خزان أسوان في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني سنة 1904م، إذ صارت المياه تُعرف من هناك.
دول وجماعات: الكتابات الكوفية بمقياس النيل، الدولة الطولونية، الخلافة العباسية، الأتراك، أهل الذمة، الاحتفال بوفاء النيل، تخليق المقياس، الاحتفال بكسر الخليج، الدولة الأيوبية، دولة المماليك، الحملة الفرنسية، وزارة الأشغال، لجنة حفظ الآثار العربية، تفتيش ري الجيزة
فهرس الحلقة
اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.
الأعلام
الآثار والأماكن
دول وجماعات وأحداث وكتب
أحداث مؤرَّخة في الحلقة
- 247هـ / 861مبناء مقياس النيل بالروضة (المقياس الجديد أو الهاشمي) بأمر الخليفة المتوكل0:14
- 254هـ / 868مقدوم أحمد بن طولون إلى مصر0:38
- 20هـ / 641مبناء جامع عمرو بن العاص0:51
- 256هـ / 870مبناء مدينة القطائع2:15
- 263هـ / 877مبناء جامع أحمد بن طولون2:29
- نحو 1–100هـ / 623–719ممقاييس عمرو بن العاص في أسوان ودندرة ومقياس معاوية في أنصنا4:14
- 92هـ / 711مبناء أسامة بن زيد التنوخي مقياسًا للنيل في الروضة4:39
- 1271هـ / 1855مإبطال محمد سعيد باشا الجزية عن المسيحيين6:18
- 259هـ / 873متجديد أحمد بن طولون لمقياس النيل وكتابة الضلعين الغربي والجنوبي16:33
- 572هـ / 1176مبناء صلاح الدين الأيوبي للقلعة (مثال للمعلومة المكتوبة التي يثبتها النص الأثري)18:12
- 676هـ / 1277مإقامة الظاهر بيبرس أول قبة على مقياس النيل في آخر سنة من حكمه20:44
- 1367هـ / 1948متاريخ النص القرآني داخل قبة المقياس في عصر الملك فاروق21:49
- 1214هـ / 1799مترميم الفرنسيين للمقياس وتنظيفه من الطمي22:14
- 1304–1305هـ / 1887–1888مترميم وزارة الأشغال للمقياس بطلب الخديوي توفيق22:41
- 1343هـ / 1925متكليف الملك فؤاد لجنة حفظ الآثار العربية وتفتيش ري الجيزة بالحفاظ على المقياس أثرًا22:55
- 1322هـ / 1904مبناء خزان أسوان في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني وبداية إهمال المقياس23:10