جامع عمرو بن العاص

نظرة عامة: جولة داخل جامع عمرو بن العاص في الفسطاط، أول جامع بُني في مصر وأفريقيا، يقف المتحدث فيها في رواق القبلة، ويعرض الفرق بين الجامع والمسجد، وسبب اختيار موقع الفسطاط وأصل اسمها، ثم تاريخ الجامع من بنائه الأول مرورًا بالزيادات والترميمات حتى عصر مراد بك وعصر حسني مبارك، مع وصف عمارته الحالية.
الجامع ووظائفه
- أسماؤه: الجامع العتيق، وجامع مصر، وتاج الجوامع، وجامع عمرو بن العاص نسبةً إلى مؤسس مدينة الفسطاط الذي بناه. وهو أول جامع بُني في مصر وفي أفريقيا.
- الجامع والمسجد: الجامع يُصلّى فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، أما المساجد الأخرى فتسمى "مساجد الفروض". كان في الفسطاط التي أسسها عمرو بن العاص سنة 641م أكثر من مسجد للصلاة، لكن الجمعة تُقام في الجامع.
- دار الإمارة: كان الجامع بجوار دار الإمارة التي سكنها عمرو بن العاص نفسه، وموضعها اليوم داخل الجامع.
- صلاة الحاكم: كان حاكم مصر أيًّا كان لقبه (عامل، أمير، والٍ، خليفة، إمام، سلطان، ثم والٍ في العصر العثماني) يصلي الجمعة هنا مع الناس. وكان الجامع الرئيسي للاحتفالات، ومجلسًا للقضاء والإفتاء والتدريس.
- جامع بلبيس: يقول أهل بلبيس إن جامعهم هو أول جامع في مصر وأفريقيا قبل جامع عمرو. ويرى المتحدث أن عمرو بن العاص أقام في بلبيس نحو شهرين فقط، وأن ما كان هناك مسجد فروض تُصلّى فيه الجمعة وقت الحاجة، لأن عمرو كان رجلًا محاربًا يتنقل بخيمته؛ أما الجامع الحقيقي فهو المرتبط بالمدينة، الذي تُدار منه كل شؤون الدولة.
"لا مدينة إلا بمنبر" وجوامع مصر الأربعة
- يقول المؤرخون: "لا مدينة إلا بمنبر"، والمقصود جامع تُصلّى فيه الجمعة وتُدار منه شؤون الدولة، لا مساجد الفروض.
- بُنيت الفسطاط في القرن السابع الميلادي (القرن الأول الهجري)، وحتى بناء الجامع الأزهر في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي لم يكن في مصر طوال أكثر من 300 سنة إلا أربعة جوامع، لكل مدينة جامعها:
- جامع عمرو بن العاص في الفسطاط.
- جامع العسكر في مدينة العسكر.
- جامع أحمد بن طولون في القطائع (زاره المتحدث في حلقة سابقة).
- الجامع الأزهر للقاهرة الفاطمية.
- إعلان سياسي: يرى المتحدث أن المدينة لا تكون إسلامية إلا بجامع ومنبر وخطبة جمعة، وأن ذلك إعلان سياسي لا ديني، أي إعلان دخول الإسلام والإذعان له. ومثاله أن النبي حين وصل إلى المدينة المنورة، وكانت تسمى يثرب، كان أول ما فعله بناء المسجد، إعلانًا لمجتمع إسلامي جديد ودولة جديدة.
- كانت مساجد الفروض للصلوات الخمس، أما في الجمعة فتجتمع المدينة كلها ويأتي والي البلد ليصلي في الجامع، وكان عمرو بن العاص نفسه يصلي هنا.
اختيار موقع الفسطاط
- أقام عمرو بن العاص بجوار حصن بابليون سبعة أشهر ودرس المكان جيدًا. ولم يخترع الموقع، بل بنى على فكرة قائمة منذ أيام الرومان وما قبلهم؛ فقد كانت هنا مدينة مصرية قديمة، بدليل أهرامات الجيزة في الجهة الغربية، استخدمها الرومان ثم المسلمون.
- التحصين الطبيعي: نهر النيل، وجبل المقطم، والبساتين في الجنوب تمد الناس بالخضروات والطعام، والنيل صالح للنقل النهري، وفي الشمال فضاء فسيح يناسب أسلوب العرب في الكر والفر، يمتد صحراءً حتى عين شمس والمطرية.
- الامتداد شمالًا وشرقًا: بُنيت العواصم التالية (الفسطاط ثم العسكر ثم القطائع) باتجاه الشمال الشرقي نحو المطرية وعين شمس، والمطرية نفسها كانت مدينة مصرية قديمة. وكذلك المدن الحديثة: العباسية ثم مدينة نصر ومصر الجديدة، وصولًا إلى العاصمة الإدارية الجديدة.
- رأى عمرو أن المكان مدينة قائمة منذ أكثر من 2000 سنة وفيها حصن جيد، وأن الرومان اختاروه لتوسطه مصر وربطه الوجه القبلي (الصعيد) بالوجه البحري (الدلتا)، فاتخذه عاصمة له.
أصل اسم الفسطاط
- رواية الخيمة: يُقال إن الفسطاط هي خيمة عمرو بن العاص. فبعد فتح حصن بابليون عزم على المسير لفتح الإسكندرية، وأوصى بأن يُحافظ على خيمته لأن يمامة باضت فيها، فسُمّيت المدينة باسم الخيمة "الفسطاط".
- يعدّ المتحدث هذه الرواية أسطورة و"بهارات"، لأن خيمة القائد أكثر الخيام ازدحامًا بالداخلين والخارجين، واليمامة تبيض في مكان خالٍ من الناس.
- قراءات أخرى: قيل إن الكلمة من اليونانية (فوساتوم أو فوساطون) المأخوذة من اللاتينية، وقيل إنها عربية بمعنى الجماعة والتجمع والمدينة. فهي ثلاث قراءات لم يُتفق على إحداها حتى اليوم، لكن المدينة عُرفت بالفسطاط.
- خطّ عمرو بن العاص الفسطاط وقسّمها أحياءً للعرب الذين جاؤوا معه، وكانوا نحو 16 ألف جندي، ثم قرر بناء الجامع ليكون أول جامع في مصر وأفريقيا والجامع الرسمي للفسطاط.
الجامع الأول
- تاريخ البناء والأبعاد: بُني سنة 21هـ / 642م، وأبعاده 50 × 30 ذراعًا، أي نحو 25 × 15 مترًا.
- موقعه: يشير المتحدث إلى موضعه في رواق القبلة يسار المحراب. وجدار القبلة الحالي ليس جدار جامع عمرو، بل أُقيم بعد ذلك مع التوسعات والزيادات. ولم يبقَ من الجامع الأول شيء اليوم، لا خشب ولا عمود ولا منبر ولا محراب، سوى قطعة الأرض التي بُني عليها.
- لذلك قيل عند زيارة جامع أحمد بن طولون إنه أقدم جامع أثري باقٍ على حالته في مصر؛ فجامع عمرو أقدم منه، لكنه لم يبقَ على حالته، والحديث عنه حديث عن المكان فقط.
- وصفه (من أوصاف المؤرخين): لم يكن له صحن (والصحن للإضاءة والتهوية)، بل كان ظلة واحدة، ولا مئذنة. ومحرابه غير مجوّف، حدد اتجاهه 80 صحابيًا ممن رأوا النبي، ومع ذلك أخطؤوا في تحديده. وكان سقفه منخفضًا من سعف النخيل، وأرضه مفروشة بالحصى بلا سجاد ولا حصير.
- قصة المنبر: لم يكن له منبر في البداية، فطلب عمرو بن العاص من مسيحي اسمه بقطر النجار من أهل دندرة في قنا أن يصنع له منبرًا. فكتب إليه الخليفة عمر بن الخطاب: "أما يكفيك أن تكون قائمًا والناس جلوس تحت قدميك؟"، أي أنه يتشبّه بالنبي في المسجد النبوي، وأمره بكسره، وفي روايات أخرى بإزالته، والمتفق عليه أنه أُزيل. وبعد وفاة عمر بن الخطاب أُعيد المنبر.
الزيادات حتى عبد الله بن طاهر
- مسلمة بن مخلد الأنصاري: والي مصر للخليفة معاوية بن أبي سفيان بعد قيام الدولة الأموية، وسّع الجامع سنة 53هـ / 673م وأضاف إليه أربع مآذن هي أول أربع مآذن في مصر، بل في الإسلام بحسب المتحدث، ولم يبقَ منها شيء.
- أصل المنبر والمحراب والمئذنة: خلاف قائم بين مؤرخي العمارة ذوي الاتجاه الإسلامي وذوي الاتجاه المسيحي؛ فالآخرون يرون أن المنبر جاء من حنية الكنيسة الشرقية، وأنها جاءت من قدس الأقداس في المعبد المصري القديم، وأن المئذنة جاءت من برج الأجراس في الكنيسة.
- عبد العزيز بن مروان: والي مصر في عهد أخيه عبد الملك بن مروان، وهما ابنا مروان بن الحكم، وهو والد عمر بن عبد العزيز. زاد في الجامع سنة 79هـ.
- قرة بن شريك العبسي: سنة 93هـ هدم الجامع القديم كله وبنى جامعًا جديدًا. وكل ذلك في القرن الأول الهجري.
- زيادات العصر العباسي: زاد فيه صالح بن علي العباسي سنة 133هـ، والوالي موسى بن عيسى سنة 175هـ.
- عبد الله بن طاهر: والي مصر للخليفة العباسي المأمون، صاحب آخر الزيادات وأهمها سنة 212هـ / 826م، أي بعد نحو 190 سنة من البناء الأول، وبها بلغ الجامع مساحته الحالية: 120.5 × 112.5 مترًا. ويحسب المتحدث أن الجامع زاد بذلك نحو 36 ضعفًا عن مساحته الأولى.
المساحة الحالية وزيادة عبد الله بن طاهر
- المساحة الحالية هي مساحة عبد الله بن طاهر، لكن البناء ليس بناءه: لا الأعمدة ولا الروابط الخشبية ولا التيجان ولا الوسادات ولا المحراب ولا المنبر.
- لتمييز زيادته: يُمدّ خط من منتصف المحراب الحالي (وهو ليس محراب عمرو بن العاص) إلى منتصف الباب، فينقسم الجامع نصفين، والنصف الأكبر هو زيادة عبد الله بن طاهر.
- بعد ذلك لم تحدث زيادات في المساحة، بل إصلاحات وتجديدات وترميمات فقط.
الإصلاحات والترميمات
- خمارويه بن أحمد بن طولون: أصلح الجامع سنة 275هـ / 888م. ثم أصلحه محمد بن طغج الإخشيد في عهد الدولة الإخشيدية.
- الحاكم بأمر الله: أهدى الخليفة الفاطمي الجامع مصاحف وربعات شريفة، وتنّورًا ضخمًا جدًا من الفضة يقول المتحدث إنه لا يعرف كم طنًا كان وزنه، فلم يتمكنوا من إدخاله فاضطروا إلى خلع الباب بحلقه وتوسيعه. وذلك رغم أن الحاكم كان شيعي المذهب، والجامع معقل أهل السنة والجماعة.
- المستنصر: في أواخر عهده أضاف الخليفة مقصورة قرب المنبر والمحراب كان يصلي فيها وحده خوفًا من الاغتيال، وأضاف محاريب متنقلة، ولم يبقَ منها شيء اليوم.
- حريق الفسطاط: احترقت الفسطاط سنة 564هـ / 1168م، قبل سقوط الدولة الفاطمية بثلاث سنوات (كما ذُكر في حلقة الكنيس)، واحترق الجامع معها، ثم رمّمه صلاح الدين ورجاله.
- العصر المملوكي: يذكر المتحدث أن كل سلاطين مصر وحكامها وخلفائها الأقوياء رمّموا هذا الجامع حتى عهد حسني مبارك. رمّمه الظاهر بيبرس وجدّده سنة 666هـ / 1268م، ثم المنصور قلاوون سنة 687هـ / 1288م، وجدّده في العصر المملوكي الجركسي قايتباي، أقوى سلاطينه وأكثرهم اهتمامًا بالعمارة.
- زلزال 702هـ / 1302م: في عهد الناصر محمد بن قلاوون (المماليك البحرية) وقع زلزال هدم جوامع كثيرة، فكلّف الناصر كبار أمرائه بترميمها: الأمير بيبرس الجاشنكير بترميم جامع الحاكم، والأمير سلار نائب السلطنة بترميم جامع عمرو بن العاص.
- تجديد سلار: سنة 703هـ / 1303م، بعد الزلزال بسنة، جدّد سلار الجامع، وأضاف محرابًا مجوّفًا من الخارج يسار الباب. ويعدّه المتحدث ترميمًا مهمًا في العصر المملوكي البحري.
مراد بك وعصر حسني مبارك
- ترميم مراد بك: في العصر العثماني رمّم مراد بك الجامع سنة 1212هـ / 1798م، وهي سنة دخول نابليون مصر، قبل دخوله بأشهر.
- العقود: كانت العقود قبل مراد بك موازية لجدار القبلة كما هي اليوم، فجعلها مراد بك عمودية عليه، فاضطر إلى سدّ النوافذ. ثم في عهد حسني مبارك هُدم ذلك كله وأُعيدت العقود موازية لجدار القبلة كما كانت.
- يشبّه المتحدث الجامع بمعبد موسى بن ميمون الذي زاره من قبل: فقير من الناحية المعمارية، لكن أهميته في تاريخه.
- من آثار مراد بك: لوحة التجديد على يسار المحراب، والمنبر، ومئذنتا الجامع الحاليتان، ومنهما القصيرة التي تأخذ شكل قلم الرصاص.
- لا شيء قديم: لا يوجد في الجامع شيء قديم تقريبًا؛ أقدم ما فيه أشياء بسيطة من عصر مراد بك، وحتى هذه فيها خلاف بين مؤرخي العمارة والأساتذة؛ وإن قيل إنها قديمة فقد تكون فاطمية، لا عباسية ولا أموية ولا من العصر الراشدي أو عصر عمرو بن العاص.
- الأعمدة: في الجوامع الأثرية القديمة تختلف الأعمدة بعضها عن بعض، أما هنا فكلها متشابهة وجديدة مصبوبة؛ فقد أُزيلت الأعمدة القديمة، وكل ما يُرى اليوم من عهد حسني مبارك.
وصف الجامع في العصر المملوكي
- بحسب الرحالة والمؤرخين في العصر المملوكي، في بداية القرن الرابع عشر الميلادي أيام الناصر محمد بن قلاوون، كان في الجامع 378 عمودًا وخمس مآذن و13 بابًا ومنبر قديم، أما اليوم فله مئذنتان فقط من عصر مراد بك وقت الغزو الفرنسي سنة 1798م.
- المحراب: موضع تجويف المحراب الحالي، حيث كان يقف الإمام، يعود إلى أيام عبد الله بن طاهر، أما كسوته فمن عمل مراد بك. فكل ما يُرى في الجامع اليوم حديث.
دول وجماعات: الخلافة الأموية، الخلافة العباسية، الدولة الإخشيدية، الخلافة الفاطمية، دولة المماليك، الدولة العثمانية، الرومان، الصحابة
فهرس الحلقة
اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.
الأعلام
الآثار والأماكن
دول وجماعات وأحداث وكتب
أحداث مؤرَّخة في الحلقة
- 20هـ / 641متأسيس عمرو بن العاص مدينة الفسطاط0:26
- نحو 300–399هـ / 900–999مبناء الجامع الأزهر للقاهرة الفاطمية، وقبله لم يكن في مصر إلا أربعة جوامع2:18
- 21هـ / 642مبناء جامع عمرو بن العاص الأول9:03
- 53هـ / 673متوسعة مسلمة بن مخلد للجامع وإضافة أول أربع مآذن11:37
- 79هـ / 698مزيادة عبد العزيز بن مروان في الجامع12:43
- 93هـ / 712مهدم قرة بن شريك الجامع القديم وبناء جامع جديد12:43
- 133هـ / 751مزيادة صالح بن علي العباسي في الجامع12:58
- 175هـ / 791مزيادة موسى بن عيسى في الجامع12:58
- 212هـ / 826مزيادة عبد الله بن طاهر الأخيرة التي بلغ بها الجامع مساحته الحالية13:20
- 275هـ / 888مإصلاح خمارويه بن أحمد بن طولون للجامع15:55
- 564هـ / 1168ماحتراق الفسطاط واحتراق الجامع قبل سقوط الدولة الفاطمية بثلاث سنوات17:11
- 666هـ / 1268مترميم الظاهر بيبرس للجامع وتجديده17:37
- 687هـ / 1288مترميم المنصور قلاوون للجامع17:37
- 702هـ / 1302مزلزال في عهد الناصر محمد هدم جوامع كثيرة18:18
- 703هـ / 1303متجديد الأمير سلار للجامع بعد الزلزال بسنة18:52
- 1212هـ / 1798مترميم مراد بك للجامع وجعل العقود عمودية على جدار القبلة19:06
- 1212هـ / 1798مدخول نابليون مصر (الغزو الفرنسي)19:06
- نحو 699هـ / 1300موصف الجامع في العصر المملوكي: 378 عمودًا وخمس مآذن و13 بابًا22:31