مذبحة القلعة

نظرة عامة: من أمام باب العزب بقلعة صلاح الدين يروي المتحدث قصة مذبحة القلعة (مذبحة المماليك) يوم الجمعة 1 مارس 1811م، بدءًا من تاريخ المماليك في مصر منذ القرن التاسع الميلادي، مرورًا بصراعهم مع محمد علي، ثم تفاصيل المذبحة ونتائجها وتقييمها إنسانيًا وسياسيًا.
باب العزب والمذبحة
- بنى باب العزب رضوان كتخدا الجلفي سنة 1754م، وكان في العصر المملوكي يُعرف بباب الإسطبل وباب السلسلة.
- جدّده الخديوي إسماعيل وهو يجدّد القاهرة ويُنشئ القاهرة الخديوية والإسماعيلية وجاردن سيتي والزمالك ووسط البلد، في الفترة من 1867 إلى 1873م.
- يرتبط هذا الباب بمذبحة القلعة، أو مجزرة المماليك.
المماليك قبل دولتهم وبعدها
- حكم المماليك مصر من 1250 إلى 1517م، وتعاقب على الحكم 47 سلطانًا من عز الدين أيبك حتى طومان باي الذي عُلّق على باب زويلة.
- لكن المماليك وُجدوا في مصر قبل دولتهم وبعد سقوطها؛ فهم موجودون فيها منذ القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي.
- البداية في بغداد: بدأ الخليفة المأمون بن هارون الرشيد بعد سنة 200هـ / 800م شراء المماليك الأتراك في بغداد بالعراق. والمملوك رقيق أبيض صغير يُشترى ويُلحق بالجيش، بينما كانت كلمة "عبد" تُطلق، بعنصرية واستعلاء، على الأسمر القادم من وسط إفريقيا (موزمبيق وزيمبابوي) ويعمل في الأعمال الخدمية.
- ينبّه المتحدث إلى أن المماليك الذين ذُبحوا في القلعة لا علاقة لهم بالمماليك الأتراك الأوائل.
- أحمد بن طولون: من المماليك الأتراك الذين اشتراهم المأمون، وكان من مدينة بخارى. وصل مصر سنة 254هـ / 868م، وبعدها بسنتين، سنة 256هـ / 870م، أنشأ مدينة القطائع، العاصمة الإسلامية الثالثة لمصر، وأسس الدولة الطولونية. سكن القطائع غالبًا الأتراك من بني جنسه، وأنشأ أول جيش في تاريخ مصر الإسلامية قياداته كلها من الأتراك. وهو الذي أنشأ الميدان الذي تحت القلعة، فالميدان أقدم من القلعة.
- ثم جاء محمد بن طغج الإخشيد، وكان كذلك من المماليك الأتراك.
- الأيوبيون: استعانت الدولة الأيوبية بالمماليك حتى آخر سلاطينها الصالح نجم الدين أيوب، زوج شجر الدر، وهو أكثر من استعان بهم واشتراهم. ومات وقت الحملة الصليبية السابعة قبل معركة المنصورة، فانتصر المماليك في المنصورة وأسروا لويس التاسع ملك فرنسا وطردوا الحملة، ثم حكموا البلاد.
- أعدم سليم الأول العثماني آخر سلاطين المماليك طومان باي وعلّقه على باب زويلة، فانتهت دولة المماليك.
المماليك في العصر العثماني
- لم يُعدم سليم الأول المماليك جميعًا، بل أبقاهم مؤسسةً تعاونه في حكم مصر، واعتمد على ثلاث مؤسسات: الوالي، والديوان، والمماليك.
- دوّن ابنه سليمان القانوني ذلك في "قانون نامه"، وهو بمثابة دستور لمصر في وقته، حين تولّى سنة 1520م بعد وفاة أبيه.
- ظل المماليك يشترون المماليك، وإذا غضبت الدولة العثمانية عليهم منعتهم من استيراد مماليك جدد وحاربتهم، فيهربون إلى الصعيد ثم يعودون إلى القاهرة بعد توقف الحرب، فاستمر نظام الكر والفر هذا.
- علي بك الكبير: من سنة 1767 إلى 1773م نصّب نفسه في منصب شيخ البلد، وطرد الوالي العثماني وقضى على مؤسسة الوالي، وسيطر على مؤسسة الديوان، فصار حاكم مصر فعليًا، وأراد الاستقلال بها عن الدولة العثمانية وإعادة دولة المماليك التي انتهت سنة 1517م.
محمد علي والمماليك
- جاء محمد علي سنة 1805م، أي بعد محاولة علي بك الكبير بنحو 30 سنة، والمماليك موجودون في مصر منذ ألف سنة. ويرى المتحدث أن رجلًا ذكيًا وسياسيًا بارعًا مثله لم يكن ليغفل عن طموحاتهم.
- الشراكسة: كان غالبية مماليك عصر علي بك الكبير ومحمد علي من الشراكسة (الجراكسة)، وأكثرهم من جورجيا، من المنطقة القريبة من بحر قزوين التي يسكنها الشراكسة اليوم في أذربيجان وجورجيا وأرمينيا.
- كان المماليك حجر عثرة أمام الدولة المصرية الحديثة التي أراد محمد علي تأسيسها.
- عثمان بك البرديسي: مات سنة 1806م، ويصفه المتحدث بأهم المماليك وبأنه عميل فرنسي. ويرتبط به قول النساء: "إيش تاخد يا برديسي من تفليسي"، المتعلق بجباية الضرائب.
- الألفي: مات سنة 1807م، ويصفه المتحدث بأنه كان جاسوسًا إنجليزيًا يريد إدخال الإنجليز مصر.
- حملة فريزر: كان محمد علي يحارب المماليك في الصعيد عند المنيا حين جاءت حملة فريزر، القائد البريطاني الذي جاء لاحتلال مصر، فاتفق معهم على وقف الحرب لمواجهة الإنجليز معًا، ثم عادوا إلى الحرب بعد ذلك.
- معركة اللاهون: في يونيو 1810م انتصر محمد علي على المماليك انتصارًا حاسمًا في معركة اللاهون عند هرم اللاهون في بداية الصعيد.
- الصلح: دعاهم بعدها إلى الصلح وترك حياة الكر والفر والعودة إلى القاهرة، وأعطى قائدهم شاهين بك قصرًا في الأزبكية، التي كانت حينها أغلى مناطق مصر وأغناها، على بركة ماء، ويشبّهها المتحدث بالزمالك اليوم، وفيها أقام نابليون بونابرت وقت الاحتلال الفرنسي.
الدوافع
- بين يونيو 1810 ومارس 1811م جاءت محمد علي تقارير سرية بأن مماليك القاهرة يتصلون بمماليك الصعيد وينظمون أنفسهم للانقضاض عليه، وكان قد أمضى خمس سنين في حروب معهم.
- الحروب السعودية: الجديد أن السلطان العثماني طلب منه إرسال جيش إلى الحجاز، لأن أتباع محمد بن عبد الوهاب في الدولة السعودية الناشئة قطعوا الخطبة للخليفة العثماني وسيطروا على مكة والمدينة، والأماكن المقدسة خط أحمر لأي دولة. تسميها المصادر المصرية "الحروب الوهابية"، ويسميها السعوديون "الحروب السعودية"، ويفضّل المتحدث التسمية الثانية.
- في سنة 1811م كان محمد علي سيُخرج جيشًا باسم السلطان العثماني لاستعادة الحجاز ويقضي على الثورة هناك، فخشي أن يتحرك المماليك في القاهرة حين يخرج الجيش، "فتغدّى بهم قبل أن يتعشّوا به".
الدعوة إلى القلعة
- الحفل: أقام حفلًا بمناسبة خروج ابنه طوسون على رأس الجيش إلى الحجاز. وُلد طوسون سنة 1793م فكان عمره 18 سنة، وكان محمد علي يُعدّه ليحكم مصر بعده، لكنه مات سنة 1816م بعد الحادثة بخمس سنين. فصدّق المماليك أن الاحتفال حقيقي.
- الموعد: الحفل في القلعة يوم الجمعة 1 مارس 1811م، والإعلان عنه يوم الخميس 28 فبراير 1811م.
- المنادي: روى الجبرتي، شاهد العيان، أن محمد علي أعاد الطريقة القديمة التي كادت تختفي: منادٍ يركب حمارًا عاليًا ويطوف في القاهرة ينادي على "الأمراء المصرلية" بالحضور باكرًا إلى القلعة. ويرى المتحدث أنه أراد أن يسمع الشعب كله أن المماليك ذاهبون إلى القلعة وينتظر النتيجة، ويشبّه ملاحظة الجبرتي بمن يرى اليوم الاحتفال بالمولد على الطريقة القديمة التي لم يعرفها إلا من رواية جده.
- القهوة: الموعد صباح الجمعة قبل الصلاة، والدعوة خفيفة على القهوة. كتب الجبرتي أن الباشا استقبلهم وضاحكهم وشرب معهم القهوة، ثم شكرهم وطلب منهم الخروج في موكب له بروتوكول، وقد جاؤوا بلباس التشريفة.
- العدد: حضر نحو 470 إلى 500 من الأمراء المماليك، من نحو 1000 أمير في مصر حينها، بينهم شاهين بك و24 من الكشّاف و60 من البكوات، أي القيادات والعقل المدبر للمماليك.
المذبحة
- ترتيب الموكب: يتقدّم طوسون وقادة الجيش، ثم المماليك، ثم الجنود الألبان (الأرناؤوط) لتوديعهم. وكان الجيش معسكرًا في حدائق القبة، واختار محمد علي أن ينزل الموكب من باب العزب.
- السرية: يقول بعض المؤرخين، ومنهم الدكتور خالد فهمي، إن طوسون نفسه، الذي أقيم الحفل على شرفه، لم يكن يعلم. ويُقال إن التدبير كان من محمد علي بمشاركة لاظوغلي، وزير محمد علي ومساعده الذي سُمّي باسمه ميدان وأُقيم له تمثال. ويرى بعضهم أن الاثنين داهيتان.
- التنفيذ: بعد خروج طوسون ورجاله أُغلق الباب، فانحصر الأمراء المماليك في الممر، ثم أُطلقت رصاصة في الهواء إيذانًا ببدء المذبحة، فاعتلى جنود محمد علي الأسطح وقتلوا المماليك جميعًا، وكان أول من قُتل شاهين بك. حتى الجنود الألبان في ذيل الموكب لم يكونوا يعلمون.
- رسالة للشعب: كان الناس يمرّون في الشارع يوم الجمعة، يوم العطلة، فيسمعون الضرب. ويرى المتحدث أن محمد علي أراد إرسال رسالة "العين الحمراء" للشعب؛ فإذا فعل هذا بالمماليك الذين كان الناس يرتعبون منهم، فماذا سيفعل بهم؟ وبهذه الحادثة حكم حتى 1848م، وحكمت أسرته حتى 1952م.
قصة المملوك الناجي
- يكثر السؤال عن مملوك قفز بفرسه من سور القلعة ونجا. لا يوجد ذلك في أي مصدر تاريخي، وأول من كتبه جرجي زيدان في روايته "المملوك الشارد" مصدرًا أدبيًا، وسُمّي فيها أمين بك، وسمّاه آخرون بعد ذلك مراد بك.
- يرى المتحدث أن نجاة واحد من نحو خمسمئة أمر ممكن، كما ينجو بعض الناس في الحروب، ويُقال إنه ذهب بعد ذلك إلى السودان وقُتل هناك في الحروب.
ما بعد المذبحة
- أرسل محمد علي وابنه إبراهيم الجنود الألبان إلى بيوت المماليك الذين لم يحضروا، ومن يقتل مملوكًا يأخذ زوجته وأولاده، فقتلوا كل المماليك في بيوتهم.
- ثم بدأ الألبان، ولم يكن من الممكن السيطرة عليهم، في السطو والنهب ومهاجمة البيوت المجاورة لبيوت المماليك؛ فقد أباح لهم محمد علي المدينة ثلاثة أيام مكافأةً على مشاركتهم.
- كتب الجبرتي، شاهد العيان: "لولا نزول الباشا وابنه صبيحة اليوم التالي لنهب العسكر بقية المدينة وحدث منهم غاية الضرر"، أي في اليوم الرابع بعد ثلاثة أيام من المذبحة.
تقييم الحادثة
- قضى محمد علي على مؤسسة المماليك، التي يقال إنها كانت عائقًا أمام تقدم مصر لأنها تنتمي إلى العصور الوسطى في وقت نهض فيه العالم كله.
- يؤكد المتحدث أنه لا يقصد مماليك بيبرس وقطز الذين قضوا على التتار والمغول والصليبيين، أي مماليك 1250 و1260 و1268م أيام بيبرس، و1289م أيام قلاوون، بل مماليك 1811م الذين لا علاقة لهم بمماليك العصور الوسطى.
- يرى بعض الناس أن محمد علي كان يستطيع هزيمتهم في معركة، لكنه ملّ من الحرب والصلح المتكررين طوال خمس سنين. ويرى المتحدث أنه تعامل معهم كواحد منهم؛ فالألبان فيهم طبع التمرد لكن لا يعرفون طبع الخيانة الذي عند المماليك، فواجههم بسلاحهم.
- الخلاصة: المذبحة من الناحية الإنسانية فعل إجرامي، ومن الناحية السياسية من أهم أفعال محمد علي؛ إذ لم يعد بعدها أحد من الشعب ولا أي مؤسسة قادرًا على منازعته الحكم، بعد أن قضى على أقوى مؤسسة، فحكم حتى 1848م. ويختم بأن السياسة لعبة قذرة لكنها نجحت.
دول وجماعات: مذبحة القلعة، دولة المماليك، المماليك الأتراك، الدولة الطولونية، الدولة الأيوبية، الحملة الصليبية السابعة، الدولة العثمانية، قانون نامه مصر، الشراكسة، حملة فريزر، معركة اللاهون، الحروب الوهابية، البكوات المماليك، الأرناؤوط، المملوك الشارد، التتار، المغول، الصليبيون
فهرس الحلقة
اضغط على أي توقيت لتنتقل إلى تلك اللحظة في الحلقة. ★ = موضوع الحلقة.
الأعلام
الآثار والأماكن
دول وجماعات وأحداث وكتب
أحداث مؤرَّخة في الحلقة
- 1167هـ / 1754مبناء رضوان كتخدا الجلفي باب العزب0:00
- 1284–1290هـ / 1867–1873متجديد الخديوي إسماعيل القاهرة وإنشاء القاهرة الخديوية والأحياء الحديثة0:14
- 648–923هـ / 1250–1517محكم دولة المماليك مصر (47 سلطانًا من أيبك حتى طومان باي)0:28
- نحو 200–299هـ / 800–899موجود المماليك في مصر منذ القرن التاسع الميلادي0:52
- نحو 200هـ / 800مبدء الخليفة المأمون شراء المماليك الأتراك في بغداد1:07
- 1226هـ / 1811ممذبحة القلعة1:20
- 254هـ / 868موصول أحمد بن طولون إلى مصر2:16
- 256هـ / 870مإنشاء أحمد بن طولون مدينة القطائع2:26
- 926هـ / 1520متولي سليمان القانوني بعد وفاة سليم الأول وتدوين قانون نامه4:10
- 1181–1187هـ / 1767–1773ماستقلال علي بك الكبير بحكم مصر عن العثمانيين4:36
- 1220هـ / 1805ممجيء محمد علي إلى الحكم5:34
- 1221هـ / 1806موفاة عثمان بك البرديسي6:47
- 1222هـ / 1807موفاة محمد بك الألفي6:47
- 1225هـ / 1810مانتصار محمد علي الحاسم على المماليك في معركة اللاهون8:06
- 1226هـ / 1811مخروج جيش محمد علي إلى الحجاز في الحروب السعودية10:27
- 1207هـ / 1793ممولد طوسون بن محمد علي11:22
- 1231هـ / 1816موفاة طوسون بن محمد علي11:22
- 1226هـ / 1811مإعلان المنادي دعوة الأمراء المماليك إلى القلعة11:50
- 1264هـ / 1848ماستمرار حكم محمد علي15:44
- 1371هـ / 1952ماستمرار حكم أسرة محمد علي حتى 1952م15:58
- 658هـ / 1260معصر بيبرس وانتصارات المماليك على المغول والصليبيين19:57
- 688هـ / 1289معصر قلاوون20:09